باسل النجار - القاهرة - الأحد 22 فبراير 2026 12:13 مساءً - مع أول خيوط الفجر في الثاني والعشرين من فبراير، يتحول معبد أبو سمبل إلى مسرح صامت ينتظر لحظة استثنائية. دقائق قليلة تفصل بين العتمة والنور، قبل أن تشق أشعة الشمس طريقها عبر ممرات المعبد لمسافة تقارب الستين مترًا، لتصل إلى قدس الأقداس وتضيء وجه الملك رمسيس الثاني في مشهد يتكرر منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.
الظاهرة، التي تتكرر أيضًا في 22 أكتوبر، ليست مجرد حدث فلكي عابر، بل تجسيد حي لعبقرية المصري القديم الذي صمم المعبد بدقة تتوافق مع زاوية شروق الشمس في هذين اليومين تحديدًا. وحين تتسلل الأشعة إلى الداخل، تضيء تماثيل رع-حور آختي وآمون رع ورمسيس الثاني، بينما يبقى تمثال بتاح في الظل، في دلالة رمزية تعكس فلسفة الضوء والحياة والموت في العقيدة المصرية القديمة.
ويرى علماء الآثار أن هذا التعامد شهادة عملية على معرفة دقيقة بحركة الشمس والفصول، امتلكها مهندسون وكهنة وفلكيون سبقوا عصرهم بقرون، فمزجوا بين العلم والدين والسياسة في عمل معماري واحد.
وتتعدد الروايات حول اختيار يومي 22 فبراير و22 أكتوبر، فبينما تشير إحداها إلى ارتباطهما ببداية الموسم الزراعي، تذهب أخرى إلى أنهما يوافقان يوم ميلاد رمسيس الثاني ويوم تتويجه. وبين الروايتين تبقى الحقيقة الأبرز هي دقة التصميم وروعة التنفيذ.
ولم يكن المشهد دينيًا فحسب، بل حمل رسالة سياسية واضحة. فوجود تمثال الملك بين الآلهة وإضاءته في لحظة مقدسة كان إعلانًا صامتًا عن سلطة تستمد مشروعيتها من الشمس ذاتها، ورسالة موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
اليوم، يتحول الحدث إلى احتفالية ثقافية وسياحية كبرى، يتوافد إليها آلاف الزوار قبيل الشروق، في لحظة إنسانية جامعة يسودها الصمت أولًا، ثم تنفجر بالتصفيق والدهشة مع أول شعاع يلامس وجه الملك.
ورغم أن عملية نقل المعبد في ستينيات القرن الماضي ضمن حملة إنقاذ دولية قادتها اليونسكو لحمايته من الغرق بعد بناء السد العالي، تسببت في تغير موعد التعامد يومًا واحدًا، فإن جوهر الظاهرة بقي كما هو، محتفظًا بسحره وقوته الرمزية.
ويظل أبو سمبل، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي، أكثر من مجرد صرح حجري، إنه رسالة خالدة عن حضارة فهمت الكون بلغة الضوء، وكتبت تاريخها على الصخر، لتبقى شاهدة على عبقرية الإنسان المصري القديم.
ومع كل شروق جديد في 22 فبراير، لا نشهد فقط تعامد الشمس على وجه ملك، بل تعامد الحاضر مع ماضٍ لا يزال قادرًا على إبهار العالم.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
