عالم التقنية

إعلانات شات جي بي تي تفتح بابًا جديدًا للربح.. أين تقف الخصوصية وثقة المستخدم؟

إعلانات شات جي بي تي تفتح بابًا جديدًا للربح.. أين تقف الخصوصية وثقة المستخدم؟

باسل النجار - القاهرة - الخميس 1 أكتوبر 2026 12:23 مساءً - انتقلت شركة «أوبن إيه آي» إلى مرحلة جديدة في نموذج أعمال «شات جي بي تي»، مع بدء اختبار الإعلانات داخل النسخة المجانية والاشتراك منخفض التكلفة، في خطوة تعكس تحولًا في طريقة تمويل خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتأتي الخطوة بعد سنوات من اعتماد الشركة بصورة أساسية على الاشتراكات المدفوعة والخدمات الموجهة للشركات والمطورين، بينما تبرر «أوبن إيه آي» إدخال الإعلانات بالرغبة في توسيع نطاق الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، وتقليل الحاجة إلى الدفع مقابل الحصول على استخدام أوسع.

لكن دخول الإعلانات إلى المحادثات يفتح في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول الخصوصية واستقلالية إجابات روبوتات الدردشة، خصوصًا مع طبيعة المعلومات التي يشاركها المستخدمون خلال محادثاتهم مع هذه الأدوات.

من الخدمة المجانية إلى نموذج الإيرادات المتعدد

عند إطلاق «شات جي بي تي» في نوفمبر 2022، قدمته «أوبن إيه آي» باعتباره معاينة بحثية مجانية، قبل أن تبدأ الشركة بعد ذلك في بناء نموذج إيرادات يعتمد على أكثر من مصدر.

وفي فبراير 2023، أطلقت الشركة اشتراك «شات جي بي تي بلس» مقابل 20 دولارًا شهريًا، مع استمرار النسخة المجانية، لتبدأ مرحلة الجمع بين الاستخدام المجاني والاشتراكات المدفوعة.

ومع نمو المنصة، توسعت خيارات الاشتراك لتشمل مستويات مختلفة للأفراد والشركات والمؤسسات، إلى جانب «شات جي بي تي غو» باعتباره خيارًا منخفض التكلفة يوفر حدود استخدام أكبر ومزايا إضافية.

وفي يناير 2026، أعلنت «أوبن إيه آي» نيتها اختبار الإعلانات في الاشتراك المجاني والمنخفض التكلفة، مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى دعم الوصول إلى الخدمة، مع استمرار الخطط الأخرى دون إعلانات.

وبدأت التجربة في الولايات المتحدة، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى أسواق أخرى، لتصل لاحقًا إلى عشرات الدول.

وفي سبتمبر 2026، قالت الشركة إن منصتها الإعلانية تجاوزت معدل إيرادات سنوي قدره مليار دولار خلال 200 يوم، مع مشاركة عشرات الآلاف من المعلنين.

وبذلك يصبح النموذج قائمًا على معادلة جديدة: المستخدم يحصل على وصول مجاني أو منخفض التكلفة، بينما يدفع المعلن مقابل الوصول إلى جمهور يستخدم المنصة في البحث والاستكشاف واتخاذ القرارات.

كيف تظهر الإعلانات داخل شات جي بي تي؟

تختلف الإعلانات داخل «شات جي بي تي» عن نموذج الإعلانات التقليدي، إذ يمكن اختيارها استنادًا إلى سياق المحادثة ونية المستخدم، وليس فقط إلى كلمة بحث منفردة.

وبحسب «أوبن إيه آي»، تعتمد المنصة الإعلانية على موضوع المحادثة الحالية، ونية المستخدم، إلى جانب عناصر الإعلان وصفحة الوصول والمعلومات التي يقدمها المعلن عن حملته.

وفي حال تفعيل تخصيص الإعلانات، يمكن استخدام إشارات إضافية من تجربة المستخدم داخل «شات جي بي تي»، وفق الإعدادات المتاحة له.

فعلى سبيل المثال، قد يشاهد مستخدم يتحدث عن رغبته في شراء جهاز كمبيوتر إعلانًا يتعلق بمنتج أو خدمة مرتبطة باهتمامه.

وتقول الشركة إن المعلنين لا يحصلون على سجل محادثات المستخدم أو ذاكرته أو بياناته الشخصية المباشرة، وإنما يحصلون على معلومات مجمعة تتعلق بأداء الإعلانات، مثل المشاهدات والنقرات.

كما يظهر الإعلان بصورة منفصلة عن إجابة «شات جي بي تي»، مع توضيح أنه محتوى ممول، بدلًا من دمجه داخل النص الذي ينتجه النموذج.

وتؤكد «أوبن إيه آي» أن الإعلانات لا تؤثر في إجابات النموذج، وأن المحتوى الإعلاني منفصل عن الإجابة التي يقدمها روبوت الدردشة.

«الوكلاء الممولون».. الإعلان يتحول إلى محادثة

لم تتوقف الشركة عند عرض إعلان تقليدي، إذ أعلنت في سبتمبر 2026 اختبار صيغة جديدة تحمل اسم «الوكلاء الممولين».

وتتيح هذه الصيغة للمستخدم، بعد الضغط على إعلان، بدء محادثة مع وكيل ذكاء اصطناعي يمثل الجهة المعلنة.

وبدلًا من الاكتفاء بصورة المنتج واسمه، يستطيع المستخدم طرح أسئلة على الوكيل بشأن خصائص المنتج والخيارات المتاحة والتفاصيل التي يحتاج إليها قبل اتخاذ قرار الشراء.

وتقول «أوبن إيه آي» إن هذه التجربة تظل واضحة بوصفها محتوى ممولًا، وإنها لا تزال قيد الاختبار مع مجموعة محدودة من المعلنين.

ويمثل هذا التحول تطورًا في طبيعة الإعلان نفسه، إذ ينتقل من مجرد عرض منتج أمام المستخدم إلى محاولة الوصول إليه في اللحظة التي يبحث فيها عن معلومات أو يقارن بين الخيارات.

كما طورت الشركة أدوات للمعلنين لإدارة الحملات وقياس المشاهدات والنقرات والإنفاق ونسب التفاعل والتحويلات، إلى جانب تكاملات مع منصات وخدمات تجارية.

الخصوصية.. الاختبار الأصعب للإعلانات

تزداد حساسية الإعلانات داخل روبوتات المحادثة مقارنة بالعديد من المنصات الرقمية، لأن المستخدم قد يشارك أثناء الحوار معلومات شخصية أو مهنية أو مالية أو عاطفية، ويستخدم «شات جي بي تي» للمساعدة في اتخاذ قرارات يومية.

ولهذا، تقول «أوبن إيه آي» إنها وضعت مجموعة من المبادئ المنظمة لنظامها الإعلاني، من بينها فصل الإعلانات عن إجابات النموذج، وحماية خصوصية المحادثات، وعدم بيع بيانات المستخدمين للمعلنين، إلى جانب توفير أدوات للتحكم في تخصيص الإعلانات.

وتوضح الشركة كذلك أن الإعلانات لا تظهر للحسابات التي تحدد أنها تعود إلى أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عامًا، كما لا تظهر بجوار محادثات تتعلق بموضوعات حساسة أو منظمة، من بينها الصحة والصحة النفسية والسياسة.

ويمكن للمستخدم إيقاف تخصيص الإعلانات ومسح البيانات المستخدمة لهذا الغرض، فيما تشير الشركة إلى أن حذف بيانات الإعلانات بالكامل من أنظمتها قد يستغرق مدة تصل إلى 30 يومًا.

ورغم هذه الضمانات، استمر النقاش حول تأثير النموذج الإعلاني الجديد على ثقة المستخدم، خصوصًا في ظل التخوف من احتمال اعتقاد البعض بأن التوصيات التي يحصلون عليها قد تتأثر بمصالح تجارية.

كما شهدت الشركة انتقادات ومواقف داخلية وخارجية بشأن الاتجاه الجديد، بما في ذلك مطالبة السيناتور الأمريكي إد ماركي في يناير 2026 بتوضيحات حول حماية المستخدمين، خصوصًا القاصرين، من الاستغلال التجاري للمحادثات الشخصية.

لماذا تحتاج أوبن إيه آي إلى الإعلانات؟

تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يحتاج إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، ووحدات المعالجة، والذاكرة، والشبكات والطاقة، فضلًا عن تكاليف تدريب النماذج وتطويرها باستمرار.

وفي سبتمبر 2026، نقلت وكالة رويترز، استنادًا إلى تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، توقعات تشير إلى تسجيل «أوبن إيه آي» تدفقًا نقديًا حرًا سلبيًا قدره 278 مليار دولار بين عامي 2026 و2030.

كما أشارت التوقعات إلى ارتفاع إيرادات الشركة من 36 مليار دولار في 2026 إلى 350 مليار دولار في 2030، مع إيرادات تراكمية متوقعة بنحو 840 مليار دولار خلال الفترة.

وتشير التقديرات نفسها إلى إنفاق نحو 856 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية حتى نهاية العقد.

ومن هنا تأتي أهمية الإعلانات باعتبارها مصدرًا إضافيًا للإيرادات، إلى جانب اشتراكات المستهلكين والخدمات المؤسسية وواجهات برمجة التطبيقات والخدمات القائمة على الاستخدام.

وتقول «أوبن إيه آي» إن الهدف الأساسي من نموذج الإعلانات هو دعم استمرار الوصول المجاني والمنخفض التكلفة إلى «شات جي بي تي».

كيف تنظر الشركات المنافسة إلى الإعلانات؟

لا تتبنى شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى موقفًا موحدًا تجاه إدخال الإعلانات إلى روبوتات المحادثة.

وقال ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل ديب مايند»، في يناير 2026، إن «غوغل» لا تخطط في ذلك الوقت لعرض إعلانات داخل «جيميناي»، مشيرًا إلى تركيز الشركة على بناء الثقة وتطوير قدرات الروبوت.

وفي المقابل، لا يعني ذلك ابتعاد «غوغل» عن الإعلانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ أعلنت في مايو 2026 اختبار أشكال جديدة من الإعلانات داخل «وضع الذكاء الاصطناعي» في البحث.

أما شركة «أنثروبيك»، المطورة لنموذج «كلود»، فأكدت في فبراير 2026 استمرار نموذجها دون إعلانات، معتبرة أن إدخال الإعلانات إلى المحادثات لا يتوافق مع الصورة التي تريدها لخدمة تستخدم في العمل والتفكير.

كما اختبرت «بيربليكسيتي» نموذجًا للإعلانات قبل أن تتراجع عن التجربة، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بتأثير الإعلانات على ثقة المستخدم في الإجابات.

هل يصبح «سياق المستخدم» سلعة جديدة؟

يكشف دخول الإعلانات إلى «شات جي بي تي» عن تحول أوسع في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

فالشركات التي تنفق مليارات الدولارات على تطوير النماذج وتشغيلها لم تعد تعتمد فقط على الاشتراكات والخدمات المؤسسية وواجهات البرمجة، بل تبحث أيضًا عن طرق جديدة لتحويل استخدام المستخدم للمنصة إلى مصدر إيرادات.

لكن هذا النموذج يضع الشركات أمام معادلة دقيقة: كلما أصبحت الإعلانات أكثر ارتباطًا بسياق المستخدم واحتياجاته، زادت قيمتها المحتملة للمعلن، وفي المقابل تزداد حساسية الأسئلة المتعلقة بالخصوصية والثقة واستقلالية الإجابات.

وبذلك، لا يتعلق الجدل حول إعلانات «شات جي بي تي» بالإعلان نفسه فقط، وإنما بالسؤال الأوسع حول الحد الفاصل بين المساعدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي والمصلحة التجارية التي قد تحيط بهذه المساعدة.

للمزيد تابع

الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
Advertisements

قد تقرأ أيضا