عندما خذلها الدليل القاطع.. قصة أم كذّبها الحمض النووي وكشف لغزًا طبيًا نادرًا

باسل النجار - القاهرة - الأربعاء 4 فبراير 2026 01:43 مساءً - في واحدة من أغرب القضايا التي هزّت الثقة المطلقة في فحوصات الحمض النووي، وجدت ليديا فيرتشايلد، من ولاية واشنطن الأمريكية، نفسها متهمة بالاحتيال وإنكار أمومتها لأطفالها، رغم أنها من أنجبتهم وربّتهم.

Advertisements

بدأت القصة عام 2002، عندما تقدّمت ليديا بطلب للحصول على مساعدة اجتماعية خلال إجراءات طلاق صعبة، سعيًا لتأمين نفقة طفليها بعد مغادرتها منزل الزوجية وعدم قدرتها على العمل آنذاك. ما بدا إجراءً إداريًا روتينيًا تحوّل سريعًا إلى كابوس، بعدما فرض القانون إجراء فحوصات حمض نووي لإثبات النسب.

وأظهرت النتائج أن الزوج هو الأب البيولوجي دون شك، لكن المفاجأة الصادمة كانت أن التحاليل نفت وجود أي تطابق وراثي بين ليديا وطفليها. في لحظة واحدة، انتقلت من أم تطلب الدعم إلى مشتبه بها تواجه اتهامات باستخدام أم بديلة.

تلقت ليديا اتصالًا عاجلًا من عاملة اجتماعية طالبتها بالحضور فورًا، لتجد نفسها داخل غرفة استجواب بدلًا من مكتب خدمات. لاحقًا، وصفت ذلك اليوم بقولها إن الأسئلة كانت قاسية ومربكة:

«من أنت؟ من أين جاء هؤلاء الأطفال؟ وأين أمهم الحقيقية؟»

حاولت الدفاع عن نفسها بكل ما تملك، صور عائلية، شهادات ميلاد رسمية، وتقارير طبيبها النسائي التي تؤكد حملها وولادتها. غير أن المحكمة تمسكت آنذاك بما اعتُبر دليلًا علميًا قاطعًا: فحوصات الحمض النووي، ورفضت جميع الأدلة الأخرى.

وتعقّد الموقف أكثر مع اقتراب ولادة طفلها الثالث. خشية تكرار ما وصفته المحكمة بـ«الاحتيال»، أمر القاضي بإرسال مختص إلى غرفة الولادة لمراقبة عملية الوضع وإجراء فحص وراثي فوري. هكذا وجدت ليديا نفسها تحت الرقابة في أكثر لحظات حياتها خصوصية.

رفعت الولاية دعوى رسمية ضدها، وكاد الحكم القاسي أن يصبح واقعًا، لولا تدخل محاميها آلان تينديل، الذي قدّم للمحكمة دراسة علمية منشورة في مجلة نيو إنغلاند الطبية، تتناول حالة مشابهة لسيدة تُدعى كارين كيغان. في تلك القضية، كشفت التحاليل أن اثنين من أطفالها الثلاثة لا يرتبطون بها وراثيًا، قبل أن يتبين أنها حالة نادرة لما يُعرف بـالخيمرية البشرية.

أدت هذه السابقة إلى إجراء فحوصات أكثر تعقيدًا لليديا وأفراد عائلتها. أظهرت الاختبارات القياسية المأخوذة من الدم ومسحات الخد عدم وجود صلة وراثية مباشرة بينها وبين أطفالها، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن تطابق مع والدتها، أي جدة الأطفال.

الحل جاء عبر فحوصات دقيقة لأنسجة مأخوذة من مناطق مختلفة من جسد ليديا، لتتكشف الحقيقة المذهلة:

بينما حمل جلدها وشعرها مجموعة وراثية معينة، كان نسيج عنق الرحم يحمل حمضًا نوويًا مختلفًا تمامًا، وهو ذاته الذي ورثه أطفالها.

كانت ليديا، دون أن تعلم، حالة نادرة من التخلق المختلط رباعي الأمشاج، وهي ظاهرة تنشأ عن اندماج بويضتين مخصبتين في مراحل مبكرة جدًا من الحمل، ما يؤدي إلى وجود مجموعتين مختلفتين من الحمض النووي داخل جسد واحد.

وبهذا الدليل العلمي الفريد، برّأت المحكمة ليديا فيرتشايلد بالكامل، وتحولت قصتها إلى حالة دراسية شهيرة، خُصص لها برنامج تلفزيوني أمريكي عام 2006.

ولا توجد حتى اليوم إحصاءات دقيقة عن مدى انتشار الخيمرية البشرية، إذ لا يتجاوز عدد الحالات الموثقة عالميًا نحو مئة حالة فقط. غير أن بعض الباحثين يرجّحون أن تكون الظاهرة أكثر شيوعًا مما يُعتقد، وربما ترتبط بحالات مثل متلازمة التوأم المتلاشي، حيث يُمتص أحد الأجنة في مراحل مبكرة من الحمل، تاركًا أثره الوراثي فقط.

غيّرت محنة ليديا فيرتشايلد نظرة المحاكم إلى أدلة الحمض النووي، مؤكدة أنه رغم دقتها العالية، فإنها ليست معصومة من الخطأ بنسبة مئة في المئة. فالعلم، كما أثبتت هذه القصة، ما زال يحمل استثناءات قادرة على قلب أكثر اليقينيات رسوخًا.

للمزيد تابع

الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك

أخبار متعلقة :