الاثنين 2 مارس 2026 09:36 مساءً - في خطوة تعكس الاهتمام الكبير بالتراث العمراني الإسلامي في المملكة العربية السعودية، ساهم مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية في إعادة الحياة إلى مسجد النجدي التاريخي في جزيرة فرسان بمنطقة جازان. يأتي هذا الإنجاز ضمن المرحلة الأولى من المشروع الرائد الذي يهدف إلى الحفاظ على الهوية التاريخية للمساجد وتعزيز مكانتها الدينية والثقافية.
تحفة معمارية تروي تاريخ اللؤلؤ
يُعد مسجد النجدي أيقونة معمارية فريدة وشاهداً حياً على حقبة زمنية ازدهرت فيها تجارة اللؤلؤ في الخليج العربي والبحر الأحمر. شُيّد المسجد عام 1347هـ على يد الشيخ إبراهيم بن علي التميمي، المعروف بلقب “النجدي”، وهو تاجر لؤلؤ بارز هاجر من حوطة بني تميم واستقر في فرسان إبان حكم الإمارة الإدريسية. وقد أراد الشيخ النجدي أن يترك أثراً يخلد ذكره، فكان هذا المسجد الذي يجمع بين الروحانية والفن المعماري البديع.
تصميم يحاكي قصر الحمراء
ما يميز مسجد النجدي هو طرازه المعماري الاستثنائي الذي يختلف عن النمط السائد في المنطقة، حيث يتميز بزخارف إسلامية دقيقة ونقوش تحاكي في جمالها زخارف قصر الحمراء في الأندلس. ولتحقيق هذه الرؤية الفنية، جلب الشيخ التميمي مواد البناء والدهانات واللوحات الفنية خصيصاً من الهند، واستعان ببنائين مهرة من اليمن لتشييد المسجد ومنزله المجاور. يتكون المسجد من بيت للصلاة، وصحن مكشوف، وأساس لمئذنة مثمنة الشكل، وتزين سطحه 12 قبة ترتكز على نظام إنشائي دقيق، مما يجعله متحفاً مفتوحاً للفنون الإسلامية.
أهمية المشروع وسياق الرؤية الوطنية
لا يقتصر مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية على الترميم المادي فحسب، بل يحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية عميقة تتماشى مع رؤية المملكة 2030. فجزيرة فرسان، التي تحتضن هذا المسجد، تُعد اليوم وجهة سياحية واعدة، ويشكل الحفاظ على معالمها الأثرية ركيزة أساسية في تعزيز السياحة الثقافية. يهدف المشروع إلى استعادة الأصالة العمرانية للمساجد العتيقة، وتأهيلها لتكون منارات للعبادة ومزارات تحكي قصص الآباء والأجداد، مع ضمان استدامتها عبر استخدام تقنيات حديثة تندمج بسلاسة مع الطابع التراثي.
معايير تطوير عالمية بأيادٍ سعودية
خضع المسجد لعمليات تطوير دقيقة نفذتها شركات سعودية متخصصة في المباني التراثية، وبإشراف مهندسين سعوديين لضمان الحفاظ على الهوية العمرانية الأصيلة. ركزت الأعمال على معالجة العناصر الإنشائية، وترميم الزخارف الجصية والألوان الأصلية للقباب، وتأهيل بيت الصلاة الذي يحتوي على محراب ومنبر جلبا قديماً من الهند، مما يعكس الامتداد الثقافي والتجاري للمملكة عبر التاريخ. وبهذا، يعود مسجد النجدي ليصدح بالأذان وتُقام فيه الصلوات، جامعاً بين عبق الماضي وروح الحاضر.
