الخميس 1 أكتوبر 2026 02:42 مساءً - إن الخطاب الجزيل الذي ألقاه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم أمس أمام مجلس الشورى يجمع رسوخ الدولة ونضج تجربتها في إدارة التحول.
إن إشارة سمو سيدي ولي العهد لقرب اكتمال ثلاثة قرون منذ تأسيس هذه الدولة تدل على أن الحيوية التي تعيشها مملكتنا الغالية يصاحبها قوة الدولة في عمق أساسها، فالجذور تحفظ الهوية، والقدرة على الحركة تصنع المستقبل.
بدأ الخطاب باقتراب الدولة السعودية من إكمال ثلاثة قرون منذ تأسيسها، وبثوابتها القائمة على كتاب الله وسنة رسوله، والتوحيد والعدل، وشرف خدمة الحرمين الشريفين. وفي هذا الاستهلال دلالة على امتداد المسؤولية عبر الأجيال؛ فالتاريخ يمنح الحاضر جذوره، ويحمّله واجب حفظها وتنمية ما يقوم عليها.
إن رؤية المملكة ٢٠٣٠ ليست حبرا على ورق أو دعاية لا فائدة من ورائها بل خارطة طريق تحمل معها مؤشرات أداء وأرقام وبراهين حقيقة ومن ذلك ما أعلنه سمو ولي العهد عن بلوغ مؤشرات الأداء ٩٣٪ من مستهدفات الخطة، صاحب ذلك نموا في الصادرات غير النفطية بنسبة ١٥٥٪ مقارنة بعام ٢٠١٦، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى ٥١٪. هذه الأرقام تتيح قراءة التحول في قاعدة الإنتاج والمشاركة، وتفسر أهمية توجه صندوق الاستثمارات العامة إلى بناء منظومات محلية تنافسية، بشراكة محورية مع القطاع الخاص وعوائد مستدامة.
وتبرز في الخطاب فكرة تستحق الوقوف عندها: قدرة التخطيط الطويل المدى على التكيف مع المتغيرات. فالخطة تستمد حيويتها من مراجعة وسائلها وتقدير ظروفها، وتوجيه الموارد إلى حيث يتعاظم أثرها. وهنا يظهر نضج التجربة؛ إذ تصبح الإصلاحات السابقة قدرة حاضرة على التعامل مع الأزمات، ويغدو تنويع الاقتصاد سندًا لاستمرار التنمية حين تضطرب الأسواق وسلاسل الإمداد.
الخطاب ينوه بتسمية عام ٢٠٢٦ بعام الذكاء الاصطناعي ويأتي متزامنا مع تقوية البنية التحتية الرقمية وزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية. ويكشف الصلة عن معيار عملي للتقدم التقني ومقدار ما يضيفه إلى كفاءة العمل وجودة الخدمة، وما يفتحه أمام المواطن من فرص التأهيل والمنافسة.
لم يغب المواطن عن مشهد الخطاب بوصفه أصل النجاح والقوة المحركة للتنمية. فأولوية التعليم والصحة، وتوسيع فرص العمل، ومعالجة تحديات السوق العقارية، تعيد المؤشرات الكبرى إلى ميدانها اليومي: المدرسة والمستشفى والوظيفة والمسكن. وأرى في الإقرار باستمرار التحديات العقارية معنى مسؤولًا؛ فالإنجاز يفتح مرحلة جديدة من العمل، ويجعل متابعة أثر القرارات في حياة المواطنين ضرورة متصلة.
وتكتسب هذه المسؤولية عمقًا إضافيًا حين تقترن بحفظ الاستقرار المالي ومقدرات الأجيال القادمة. فالقرار التنموي يحمل أثره إلى المستقبل، ويقتضي الموازنة بين المنفعة الراهنة واستدامة القدرة على توفيرها. وفي ذلك قراءة لنضج إدارة الموارد، ولأهمية اختيار المجالات الأعلى أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
وفي الشأن الأمني، يتكامل خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية مع الاستعداد للرد الحازم على التهديدات. ويؤكد الحديث عن وحدة الأمن الخليجي، وحلف مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان، والتحالف البحري متعدد الجنسيات، اتساع دوائر التعاون لحماية الاستقرار. كما أن وصل أمن الممرات البحرية باستمرار إمدادات الطاقة والسلع والمساعدات يوضح صلة الأمن بمعيشة الشعوب ومسارات التنمية.
ويمتد هذا المنهج إلى دعم الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة، واستقرار اليمن، ووحدة السودان ومؤسساته الشرعية؛ مواقف يجمعها السعي إلى استقرار يحفظ الحقوق ويتيح للشعوب استعادة حياتها.
عند عتبة ثلاثة قرون من تأسيس الدولة، وبعد عشر سنوات من الرؤية، يضع الخطاب الحاضر في موضع المسؤولية عن المستقبل. وتلك، في تقديري، دلالة المرحلة التي عبّر عنها ولي العهد؛ أن يبقى الوطن راسخًا في قيمه، قادرًا على التجدد في أدواته، وأن يلمس المواطن أثر ذلك في حياته.
إبراهيم بن عبد الله الروساء – الرياض – 1 / اكتوبر / 2026
@alrwsa
