تطوير مسجد المضفاة التاريخي في عسير: إرث معماري يتجدد

الثلاثاء 24 فبراير 2026 09:42 مساءً - في خطوة تعكس عمق الاهتمام بالتراث الوطني والإسلامي، يواصل مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية مسيرته الرائدة في إحياء المعالم الدينية العريقة، مسلطاً الضوء هذه المرة على “مسجد المضفاة” في منطقة عسير. هذا المسجد، الذي يعود تاريخه إلى نحو أربعة قرون، لا يمثل مجرد مكان للعبادة فحسب، بل يعد شاهداً حياً على تاريخ المنطقة الاجتماعي والمعماري، وجزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمملكة العربية السعودية.

Advertisements

تاريخ عريق وقيم اجتماعية متجذرة

يقع مسجد المضفاة التاريخي على الطريق الحيوي الرابط بين منطقة الباحة ومدينة أبها، وتحديداً في مركز بللسمر، مبتعداً نحو 55 كيلومتراً شمال مدينة أبها. وقد شُيد هذا الصرح في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، ليصبح منارة للعلم والعبادة لأهالي القرية والهجر المجاورة. وتكمن فرادة هذا المسجد في قصته التي استمد منها اسمه؛ إذ سُمي بـ”المضفاة” تخليداً لقيم الكرم والضيافة التي اشتهرت بها القبيلة، حيث كان المسجد ملاذاً ومأوى لعابري السبيل والضيوف المارين بالقرية عبر القرون.

ولتعزيز هذا الدور الاجتماعي، أحاطت بالمسجد قديماً أكثر من 13 مزرعة، خُصص ريع محاصيلها بالكامل لخدمة ضيوف المسجد وإطعامهم، في صورة مشرقة تجسد التكافل الاجتماعي والكرم العربي الأصيل الذي يتسم به أهالي منطقة عسير.

طراز السراة المعماري: هندسة تحاكي الطبيعة

يعد مسجد المضفاة نموذجاً مثالياً لطراز “السراة” المعماري، وهو أسلوب بناء فريد تطور استجابة للظروف المناخية والجغرافية للمرتفعات الجنوبية. تبلغ مساحة المسجد 325 متراً مربعاً، وقد حافظ على تصميمه الأصلي رغم مرور الزمن. يتميز البناء باستخدامه للأحجار المحلية الصلبة التي تمنحه المتانة، بينما سُقف باستخدام جذوع خشب العرعر المتوفرة في غابات المنطقة، مما يضفي عليه طابعاً بيئياً مستداماً.

يضم المسجد بيت للصلاة، وفناءً غير مسقوف يوفر تهوية طبيعية، بالإضافة إلى مواضئ قديمة. ومن أبرز معالمه غرفة “المنزالة”، وهي الغرفة المخصصة لاستقبال الضيوف، مما يؤكد الوظيفة الاجتماعية للمسجد إلى جانب وظيفته الدينية. كما تعلو المبنى منارة مستطيلة الشكل يبلغ ارتفاعها نحو 4.70 متر، تشكل علامة بصرية مميزة في محيط القرية.

الترميم وفق معايير عالمية بأيادٍ سعودية

يأتي تطوير مسجد المضفاة ضمن المرحلة الأولى من مشروع الأمير محمد بن سلمان، الذي يهدف إلى الموازنة الدقيقة بين الحفاظ على الهوية التراثية وتوفير سبل الراحة الحديثة. وتتم عمليات الترميم والتطوير تحت إشراف نخبة من المهندسين السعوديين المتخصصين في المباني التراثية، لضمان استخدام مواد بناء تحاكي المواد الأصلية، مع معالجة الأضرار التي لحقت بالمسجد، مثل الانهيار الجزئي للسقف الذي حدث عام 1380هـ، بطرق فنية تضمن استدامته للأجيال القادمة.

رؤية 2030 وإحياء التراث الحضاري

لا يقتصر هذا المشروع على الترميم الإنشائي فحسب، بل يصب في قلب أهداف رؤية المملكة 2030 التي تسعى لإبراز البعد الحضاري والثقافي للمملكة. فإعادة تأهيل المساجد التاريخية مثل مسجد المضفاة يسهم في تعزيز السياحة الثقافية، ويربط الأجيال الجديدة بتاريخهم العريق، مؤكداً أن التطور والمستقبل يستندان إلى جذور راسخة من الأصالة والتراث.

أخبار متعلقة :