مسجد الجلعود بحائل: تاريخ يتجدد بمشروع محمد بن سلمان

السبت 28 فبراير 2026 09:42 مساءً - في خطوة تعكس الاهتمام الكبير بالتراث العمراني الإسلامي في المملكة العربية السعودية، شهد مسجد الجلعود التاريخي بمنطقة حائل عملية تطوير شاملة وتأهيل دقيق، وذلك ضمن المرحلة الأولى من مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية. ويأتي هذا المشروع الرائد ليعيد للمساجد العتيقة ألقها، ويحافظ على هويتها المعمارية الأصيلة التي تميزت بها عبر القرون.

Advertisements

يقع المسجد في قلب محافظة سميراء، جنوب شرق منطقة حائل، ويبعد عن العاصمة الإدارية للمنطقة نحو 120 كيلومترًا. ويعتبر هذا المسجد أيقونة تاريخية في ديار الجلعود، حيث يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1175هـ (1761م)، مما يجعله اتفرجًا على أكثر من قرنين ونصف من الزمان. وقد مر المسجد بمراحل بناء متعددة، أبرزها إعادة بنائه عام 1347هـ، ليبقى منارة دينية واجتماعية راسخة في ذاكرة أهالي المنطقة.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لمسجد الجلعود في موقعه الجغرافي المتميز على طريق الحج المكي الكوفي القديم. لم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة فحسب، بل كان محطة استراحة والتقاء للحجاج والقوافل التجارية العابرة لصحراء نجد، مما أكسبه بعدًا حضاريًا يتجاوز حدوده الجغرافية. وقد لعب دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية لسكان سميراء والقرى المجاورة، حيث كانت تقام فيه صلاة الجمعة وتُعقد فيه حلقات الذكر واللقاءات الاجتماعية.

من الناحية المعمارية، يُعد المسجد نموذجًا حيًا لطراز البناء في المنطقة الوسطى من المملكة. اعتمد الأجداد في تشييده على المواد الطبيعية المتاحة في بيئتهم، فبُنيت جدرانه من الطين والحجر لتوفر العزل الحراري المناسب، وسُقف بخشب الأثل وسعف النخيل، مع تغطية السقف بألواح حديدية للحماية من الأمطار. هذا النمط المعماري يعكس براعة الإنسان السعودي القديم في تطويع الطبيعة لخدمة احتياجاته الدينية والدنيوية.

وفي إطار أعمال التطوير الحديثة، تم رفع كفاءة المسجد مع الحفاظ الكامل على هويته البصرية. زادت مساحة المسجد من 227 مترًا مربعًا إلى 250 مترًا مربعًا، وارتفعت طاقته الاستيعابية لتصل إلى 129 مصلّيًا. شملت الأعمال ترميم بيت الصلاة، وتأهيل الساحة الداخلية (السرحة)، وإعادة بناء الخلوة التي كانت شبه مهدمة، بالإضافة إلى تحديث دورات المياه والمواضئ لتلبي احتياجات المصلين وفق أعلى المعايير الحديثة.

وقد ثمن إمام وخطيب المسجد، إبراهيم بن عبدالله الجلعود، هذه اللفتة الكريمة، مشيرًا إلى التاريخ العريق للمسجد الذي حظي باهتمام ولاة الأمر عبر التاريخ، بدءًا من توسعة الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1371هـ، وصولًا إلى هذا المشروع النوعي في عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين. وأكد أن استبدال الأعمدة الطينية بالحجر في توسعة سابقة، ثم التطوير الشامل حاليًا، جعل المسجد يجمع بين عبق الماضي وراحة الحاضر.

يجدر بالذكر أن مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية لا يهدف فقط إلى الترميم الإنشائي، بل يسعى لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الحفاظ على التراث الوطني وإبراز العمق الحضاري للمملكة. يعمل المشروع وفق آلية دقيقة تضمن التوازن بين المعايير التراثية القديمة وتقنيات البناء الحديثة، بمشاركة كفاءات هندسية سعودية وشركات متخصصة، لضمان استدامة هذه المساجد كشواهد حية على تاريخ المملكة الإسلامي العريق.