الارشيف / عالم الفن والمشاهير

ميلاد فليفل يكتب : عادل امام ظاهرة عكس التوقعات

  • ميلاد فليفل يكتب : عادل امام ظاهرة عكس التوقعات 1/3
  • ميلاد فليفل يكتب : عادل امام ظاهرة عكس التوقعات 2/3
  • ميلاد فليفل يكتب : عادل امام ظاهرة عكس التوقعات 3/3

باسل النجار = الرياض في السبت 21 مايو 2022 01:25 صباحاً - في كتابه المضحكون للعم محمود السعدني اشار في فصل تحت عنوان (العيال)، لظاهرة الثلاثي الكوميدي الصاعد (عادل امام وسعيد صالح وصلاح السعدني)، وكان اشهرهم بالطبع في ذلك الوقت عادل امام،

ويضيف السعدني في كتابه عن الفنان الصاعد ان طلبات الفرق التي تنهال عليه “ولا الرمالي بتاع العيش ايام زمان” يمكن ان تحرق نجمه سريعا وتقضي علي عهده من قبل ان يبدا،

ومن الواضح في الكتاب ان السعدني غير متحمس لانهيال العروض علي الفنان اذ ان هذه العروض علي كثرتها يمكن ان تدر مبالغ معقولة لفنان مبتدي لكنها في الوقت نفسه يمكن ان تقضي سريعا علي فنان موهوب، وان كانت تلك العروض تنتج للمنتجين نقودا ولكنها لن تصنع من عادل امام نجما سينمائيا اذ سيكتفي امام بدور السنيد في الافلام مما سيكتب نهاية لمشواره من قبل ان يبدا مقارنا بينه وبين النجم عبدالسلام النابلسي مع شتان الفارق بين النجمين،

وربما ادرك امام سريعا بذكائه الفطري  صدق تصور السعدني عنه فاستطاع سريعا ان يهرب من المصيدة التي اعدها له المنتجون في بداية حياته، فمع الظهور اللامع لثلاثي اضواء المسرح انذاك وقبول عادل امام في البداية ان يقوم بدور احد الفنانين اذا تغيب احدهم عن العرض و مع الموت المبكر الذي داهم الفنان الضيف احمد عرض علي عادل إمام ان يكون بديلا للفنان الراحل لكن امام ادرك ان وجوده في فرقة الثلاثي بالرغم مما يمكن ان تضيفه لجماهيريته وتفرد له مساحة نجومية عالية انذاك .

ولكنه قلق ان يتماهي فيها ويصبح بدون اسلوب واضح ففضل ان يرسم ملامح طريقه الفني بعيدا عن نجوميه سمير وجورج ومع مرور الوقت اصبح نجم الفنان الصاعد يصبح اكثر بريقا واستطاع خلال فترة قصيرة ان يزاحم نجوما كبار انذاك مثل محمد عوض وامين الهنيدي بل والاخطر من ذلك انه مع مرور الوقت اصبح يهدد اسم فواد المهندس من عرش الكوميديا .

اذ انه يمكن تأريخ الكوميديا المصرية بمراحل ثلاث مرحلة نجيب الريحاني الموظف البائس ذو الحظ العاثر الذي تدفعك ظروف حياته القاسية للضحك والسخرية،، وكوميديا فواد المهندس الثرية بالمواقف الحياتية الساخرة وكوميديا عادل إمام الذي يقحم نفسه في مواقف اكبر من قدرته الجسمانية ناهيك بالطبع علي قدرة عالية علي الارتجال مولدة م يسمي بكوميديا الموقف.
 
*الهلفوت الساخر
من دون وسامة تذكر ولا جسما رياضيا ممشوق تقدم عادل امام لا يملك سوي موهبته ليزاحم النجوم الكبار، متاخذا ملامح طريقه الفني الخاص ليمثل دور بطل الفئة المتوسطة او دون المتوسطة، يشبه المواطن المصري البسيط في تركيبته الجسمانية والاجتماعية والنفسية ايضا،

تحمل عيناه حزن عميق تخفيه البسمة الساخرة من المجتمع ومن نفسه احيانا، حين ادرك عادل امام ان بطل الطبقة المتوسطة هو الفنان الاكثر شعبية وجماهيريه لانه صوت القطاع الاعرض من الشعب علي شاشة السينما حاملا مطالبه وتطلعاته ،

اراد عادل امام ان يكون بطلا ولكن بملامح خاصة وباسلوب فني منفرد، ففي الاربعينات مثلا قدمت السينما صورة البطل القادم من الطبقات الدنيا في المجتمع فلم يجد سبيلا ليزاحم الطبقات العليا سوي ان يتعلق باهداب الارستقراطية حتي يصل الي مبتغاه وفي الخمسينات قدم فريد شوقي صورة البطل الشعبي انه البطل الحالم بمكانة اعلي فتجبره ظروف الحياة علي ان يقتنصها بالقوة مستغلا قوته الجسدية للحصول علي غرضه،

وفي الفترة التي اعقبت النكسة بقليل قدم الثناني احمد مظهر وحسن يوسف صورة البطل الشعبي ذو الشكل الوسيم والمغامرات الغرامية، اما حين ظهر عادل امام وعلي طوال مسيرته الفنيه فضل ان يقدم صورة البطل الشعبي الثائر الذي تضطره الظروف الصعبة ان يصبح فهلوانيا، تلك الصوة الشعبية التي لاقت رواجا عاليا لانها شخصية مستوحاه من التراث الشعبي ومعبرة عنه،

اذ ان ذلك الرواج لم يشهده المجتمع المصري فقط بل ايضا المجتمع العربي المتعلق بحكايات الشطار وتمجيد بطولاتهم، ظل عادل امام في اغلب افلامه محافظا علي تقديم صورة البطل الشعبي الذي ينطق في وجه السلطة ما لا يستطيع المتفرج العادي ان يبوح به، بطلا من طبقة متوسطة يأثر نساء الطبقة العليا ويلهثن وراءه مما يمثل ارضاء لغرور المتفرج البائس.

*اكثر من مجرد فنان

في فترة السبعينات وخصوصا عام ٧١ بدا سهم عادل امام في الانطلاق الذي لم توقفه الايام، حين بدا التجهيز لعرض مسرحية مدرسة المشاغبين التي كانت بمثابة انطلاقة حقيقية لعادل امام وحينها اصر عادل امام علي دور بهجت الاباصيري الذي كان  من المفترض ان يقوم به زميله الفنان سعيد صالح ولكن بدافع المحبة القوية بينهم تنازل صالح لعادل امام عن بهجت الاباصيري الذي كان مثالا حيا لدور البطل الشعبي وزعيم الشطار،

انطلاقا كما ذكرنا سابقا حب الفنان بان يتمرد باسم الطبقة المتوسطة امام سلطة الناظر الجائرة من وجه نظر بطل المسرحية استمرت تلك المسرحية عرضها لسنوات طويلة وعرضت في اكثر من بلد عربي وكانت بمثابة الانطلاقة الحقيقة لكل جيل الشبان الذين شاركوا في التمثيل م عدا احمد ذكي الذي فضل ان ينسحب سريعا من العرض لان دوره في المسرحية كان هزيلا

*فن ادارة الموهبة

إن المتامل لمسيرة عادل امام يدرك حق الادراك ان اعظم موهبة تمتع بها عادل امام هي فن ادارته لموهبته ربما لم يحالف الحظ نجوما كبار ان يصبحوا مثل عادل امام حتي لو امتلكوا الموهبة، ف كثير من الفنانين سطع نجمهم ثم اختفي بسرعة لانهم لم يستطيعوا ان يديروا موهبتهم بكفاءه وإخلاص عادل امام لفنه اذ انه مع بداية فترة الثمانينات بدا واضحا ان امام يسعي لثقل موهبته وتجربته فبدات فترة التعاون بين امام ووحيد حامد ذلك التعاون الذي شهد اكتمال زعامة عادل امام وتفرده

وانتجت للسينما المصرية مجموعة من اعظم افلامها واكثرها نجاحا ففي بداية الثمانينيات تعاون الفنان والسينارست لتقديم الانسان يعيش مرة واحدة ثم الغول ثم رائعته فيلم الهلفوت ومع بداية فترة التسعينات اراد الثنائي ان يدخلا السينما مجموعة من اكثر افلامها جراءة حين انضم اليهم المخرج الكبير شريف عرفة ليقدما للسينما فيلم اللعب مع الكبار ثم الارهاب والكباب والمنسي وطيور الظلام والنوم في العسل .

في حين ان بعض النقاد ومنهم الكاتب يوسف احمد في كتابه سياسة عادل امام رسالة من الوالي الصادر عن دار الهلال  قد انتقد افلام الزعيم خلال تلك الفترة ووجه له اللوم؛ اذا انه حين كان يمارس انتقادا لاذعا للنظام والسخرية منه انذاك كان يقدم نوعا من الديمواقراطية الساذجة اذ يبوح بما لا يستطع المواطن العادي البوح به،

انت تشاهد عادل امام علي شاشة السينما او التلفاز ينتقم للطبقة المتوسطة ويبوح لها اذ تعتبر هذه طريقة لتنفيس الكبت الكامن في نفوس الجماهير انذاك واذ كان هذا مقصودا او غير مقصود سواء استراح له صاحب القرار انذاك او لم يسترح فتبقي سلسلة التعاون بين الثلاثي حامد وامام وعرفة قد انتجت للسينما مجموعة من اهم افلامها.

*القدرة علي التجديد
مع بداية فترة الالفينات تعرضت مسيرة الزعيم لكبوة صححت من مسيرته ولم تقضي عليها ذلك حين عرض فيلمه رسالة الي الوالي حاول ان يعرض دورا بسيطا يقدمه معه محمد هنيدي في الفيلم في ذلك العام كان معروضا علي هنيدي ومجموعة شباب بطولة جماعية في فيلم صعيدي في الجامعة الامريكية

وحين تنافس الفلمان في ساحات العرض فوجئ الكثيرين باكتساح فيلم هنيدي للإيرادات علي حساب فيلم عادل امام حتي ان بعض النقاد والصحفيين قد توقعوا ان تكون هذه النهاية لعرش عادل امام ولكن الزعيم لم توثر فيه كل دعوات الاحباط بل وجدها فرصه جيدة لتغيير جلده السيمائي وذهب للتعاون مع السينارست يوسف معاطي الذي انتجا مجموعة رائعة من الافلام اعادت عادل امام الي قمة مجده حين ابدعا فيلم الواد محروس بتاع الوزير ثم عريس من جهة امنية والتجربة الدنماركية وغيرها.

وبعد مرور اكثر من خمسين عام علي مسيرة الزعيم السنيمائية لكي تعرف قيمته حق المعرفة عليك ان تتامل كيف يمكن كنا ان نعيش السينما المصرية بدون احلام الهلفوت وثورته علي عسران الضبع ولا سعي المواطن احمد فتح الباب نحو العدالة الكاملة في الارهاب والكباب ولا انتهازية المحامي فتحي التي لم تنسه وطنيته حين اصبحت المعركة حاسمة في طيور الظلام ولا واقعية ذكي باشا رستم وهو يرصد مراحل تتهور فكر وسلوك المجتمع في عمارة يعقوبيان،،

اخيرا سوا اردنا ام لم نريد اتفقنا ام اختلافنا يظل عادل امام بدون وعي منا اهم من اثر في وجداننا وشكل روافد الفكر لاجيال كثيرة.



Advertisements