شاهد .. رحلة في ضيافة صانع الحب… داخل عالم إحسان عبد القدوس وذاكرة روزاليوسف

باسل النجار - القاهرة - الخميس 9 أبريل 2026 11:42 مساءً - إحسان عبد القدوس ليس كاتبي المفضل فحسب، بل هو حالة خاصة في وجداني، تتجاوز حدود القراءة إلى ما يشبه الرفقة الحميمة. حمل الكثير من روحي، وسكن تفاصيل مراهقتي في بلدتي التي نشأت بها، حيث كان نافذتي إلى عالم أكثر اتساعًا، وفضاء أكثر رحابة… عالم يتخطى جدران حجرتي ومجتمعي الصغير… الصغير جدًا في الحقيقة.

Advertisements

ولم يكن غريبًا أن يتواطأ القدر ليجعل اسمه جزءًا من تجربتي الصحفية التي أعتز بها، فما زالت بطاقتي تحمل اسم المؤسسة العريقة «روزاليوسف»، تلك التي جلس يومًا على مقعد رئاسة تحريرها، قبل أن يصبح ذلك زمنًا يُروى. وتزدان سيرتي بعشرات الموضوعات التي نُشرت، ولا تزال تُنشر، على صفحات مجلة «صباح الخير».

ولـ«روزاليوسف» روحٌ ممسوسة بالعشق، فما إن تطأها قدماك حتى تجد نفسك أسيرًا لفتنتها، مأخوذًا بعالمها المتفرد… بهذا الإحساس بدأت حكايتي مع زيارة منزل إحسان عبد القدوس

شعورٍ أعجز عن وصفه، وإن كانت صور السيدة العظيمة روز اليوسف، وملامح الكاتب الكبير، لم تغب يومًا عن عيني، ولم تخفت ذكراهما.

كانت الدعوة الكريمة من نجله، الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، لزيارة البيت الذي عاش فيه أبيه، كاتبي الأثير، ورئيس التحرير الذي لم يمنحني القدر شرف العمل معه.

لأدخل عالمًا متكاملًا من الحكايات…

استقبلتنا، عند مشارف العمارة الشاهقة القائمة في شارع الجبلاية بالزمالك، لافتةٌ نحاسية تحمل شعار «عاش هنا». وفي الطابق العاشر كانت الشقة التي لا يزال الجرس يحمل اسم صاحبه…

رافقني زوجي، رسام الكاريكاتير أحمد جعيصة، في هذه الزيارة، وكان الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس في استقبالنا بابتسامة بشوشة وترحيبٍ وود.

أشار إلى تمثالٍ لرجل، مؤكدًا أن هذا هو أقدم شيء في الشقة، إذ يرجع تاريخه إلى 112 عامًا، وقد أهداه جورج أبيض إلى والد الأديب الكبير، الفنان محمد عبد القدوس.

التمثال يُصوّر شخصية شهيرة في الثقافة الشعبية الصينية والبوذية تُعرف باسم "بوداي" (Budai)، ويشتهر في العالم باسم "بوذا الضاحك"، تمثال سمين، مظهره مرح وبطنه بارزة، وهو رمز للسعادة والرخاء في الثقافة الصينية.

وفي مواجهة التمثال جلستُ على كنبة، وما لبث أن أخبرني أنها نفس الكنبة التي جلست عليها من قبل فاتن حمامة، وكذلك أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.

شعرت بإحساسٍ غريب، حنينٍ لفترة لم أعشها… وغربةٍ في جيل أنتمي إليه.

حب كبير

الشقة راقية، والأثاث لم يُغيّر فيه الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس شيئًا، فقد تزوج مع أبيه، وبعد وفاة الأب المبدع الكبير، أكمل حياته في نفس الشقة. وقد يبدو الأمر عاديًا، أو يراه البعض بسيطًا، لكن الحقيقة أن هناك صعوبة كبرى في أن يجابه الإنسان نفسه في مواكبة الموضة أو تغيير شيء، والإبقاء على تراث المكان.

فهذا نوع كبير من الحب والفخر والامتنان، يستعصي على الكثير فعله…

فالتغيير والتحديث رغبات إنسانية من الصعب التصدي لها، وطبيعة البشر حب التغيير والتمرد على كل ما هو ساكن أو ثابت.

كانت جلستنا في حجرة المكتب، أو «الصومعة»… ذلك المكان الذي شهد كتابة مئات الحكايات والقصص والروايات، لتنسج تاريخًا من ذاكرتنا في مصر والوطن العربي. وليس ذاكرة أدبية فقط، بل سينمائية أيضًا، لأن الكثير من هذه القصص الماتعة تحوّل إلى أعمال سينمائية كبرى شكّلت وجدان الوطن العربي، بل إن أسماء أبطال الروايات تم تخليدها بشكل لا يُصدق… فعندما نعرف أن الفنانة نادية لطفي اسمها الحقيقي بولا لكن أُطلق عليها هذا الاسم تيمّنًا ببطلة «لا أنام».

المكتب يضم مكتبة هائلة تحتوي جميع الطبعات الأولى لقصص وروايات إحسان عبد القدوس، فضلًا عن كتبٍ نادرة، ممهورة بإهداءات من شخصيات مرموقة…

فنجد إهداءً بخط يد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات لكتابه «البحث عن الذات - قصة حياتي»: «للأستاذ إحسان عبد القدوس، الصديق وزميل رحلة طويلة» بتاريخ 30 أبريل 1978.

كما يضم المكتب مصحفًا تركيًا نادرًا يبلغ من العمر 100 عام.. فضلًا عن تمثال من صنع النحات فتحي محمود، وكوب من المعدن يوثقان فترة وجود إحسان في السجن الحربي.

لكن قبل الولوج إلى المكتب، كان علينا المرور عبر ممر طويل، على جانبيه وُضعت كل البورتريهات التي رُسمت لإحسان عبد القدوس، وكأنك تخوض في معرض فني… كل بورتريه لا يحمل ملامح الأديب فقط، بل رؤية الفنان لهذا المبدع الكبير، بلمسات بديعة ورؤى مختلفة… كل بورتريه يكشف عن تفاصيل مثيرة في حياة المبدع وجانبًا من شخصيته.

بورتريهات لفنانين مثل صلاح جاهين وصلاح طاهر وإيهاب شاكر وزهدي وناجي… وغيرهم، كلٌّ منهم وضع رؤيته الخاصة لإحسان المبدع والإنسان.

فصلاح جاهين لم يكتفِ بالرسم، بل زيّن البورتريه الذي صوّر إحسان عبد القدوس في هيئة الكاتب المصري… بإهداء أقرب إلى الرباعية، كتب فيه:

«الكاتب المصري صحّى، شمّنا النفس، وعلّمه كلمة "الحرية" و"الإنسان"، وكلمة "الثورة" أهداها لكل إنسان… عاشت بلادنا، وعاش الكاتب المصري، وعشتَ للشعب كاتب مصري يا إحسان»

صلاح جاهين - 22 / 4 / 1959

وبشكلٍ شخصي، كان أكثر بورتريهٍ أعجبني هو ذاك الذي رسمه الفنان صلاح طاهر، بألوانٍ منطلقةٍ حيّةٍ مبهجة… وبالمناسبة، فهو أول بورتريه يزيّن مدخل الشقة، وأول ما تقع عليه العين.

هذا هو إحسان الذي عرفته من خلال القراءة: المبدع المحب للحياة، المبهج، الأنيق، ابن نادي الجزيرة، وابن السيدة العظيمة روز اليوسف… الوسيم، صانع الحب…

هو من امتزجت رومانسيته بالواقع… وكانت بطلاته دومًا جميلات، أنيقات، جريئات… هو المشاكس للحياة، الندّ لها، الواثق، الحر… دائم الشباب والحيوية.

لذلك، فإن بورتريه الفنان صلاح طاهر هو الأقرب إلى روح الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس الأدبية، كما رسخت في ذاكرة قرائه.. ..

وفي ركنٍ قصيّ من الشقة، منضدة أنيقة يلتمع تحت زجاجها النياشين التي حصل عليها، والنظارات التي كان يستخدمها… فضلًا عن تكريمات دولية، وشهادات تقدير، وصور فوتوغرافية كثيرة لإحسان عبد القدوس مع أحفاده ومع والدته…

(الإسكندرية بديلًا للبرازيل)

السيدة روز اليوسف، التي يحل اليوم 10 أبريل ذكرى وفاتها… تلك الفتاة الصغيرة التي قذفتها السفينة على شواطئ الإسكندرية، فحُرمت من الهجرة إلى البرازيل، لتفتح طاقة نور وشهرة في القاهرة، ويظل اسمها خالدًا في الفن والصحافة، وتُخرّج أجيالًا وأجيالًا.

يقول حفيدها عبد القدوس

سيدة استثنائية بكل المقاييس، أثرت الصحافة والفن في مصر. لبنانية الأصل، جاءت إلى مصر في أوائل القرن العشرين، وحيدة، يتيمة، بلا أب أو أم.

انضمت إلى فرقة عزيز عيد، وبرزت كموهبة لافتة، وكان أول دور مثّلته شخصية «عواطف البنين»، حيث جسّدت سيدة عجوز رغم أنها كانت فتاة صغيرة.

وتألقت في مسرح رمسيس الذي أنشأه يوسف وهبي، حتى لُقّبت بـ«سارة برنار الشرق». واستقالت من المسرح عندما حاول تقديم ما يريده العامة دون الارتقاء بالفن، إذ كانت ترى أن الفن رسالة.

ثم قررت إنشاء مجلة بخمسة جنيهات فقط… وكان لديها اعتداد كبير بنفسها، نتيجة ظروف نشأتها الصعبة، وتصديها للتحديات بمفردها… واكتشفت محمد التابعي، الذي أصبح بدوره مكتشفًا لمواهب عديدة.

كان التابعي في ذلك الوقت موظفًا في مجلس النواب، ويكتب النقد الفني لجريدة الأهرام، وعلمت أنه في الإسكندرية فاتصلت به تليفونيًا تدعوه للحضور للاشتراك في تحرير مجلة «روزاليوسف»، ولم يصدق التابعي…

واهتمت بفن الكاريكاتير، ودعمت العديد من المواهب، وأنشأت مجلة "صباح الخير" بمفهوم جديد وعصري ومختلف، وأصدرت «الكتاب الذهبي» الذي عُرف من خلاله نجيب محفوظ ومبدعون كثر…

كانت سيدة صاحبة قرار، تخوض أي مجال بقلب جسور لا يهاب، وكانت حادة الطباع. ولها قصة مع أحمد بهاء الدين، الذي كان يقدّم مقاله للمجلة وينصرف دون أن يعرفه أحد، ثم يفاجأ بنشر مقاله، بل إن أحد مقالاته نُشر بدلًا من مقال رئيس التحرير.

وعندما جاء ليسلم مقالًا آخر، أخبره البواب أن السيدة روز اليوسف تريد مقابلته. وكان عمره آنذاك 22 عامًا، وعندما بلغ 26 عامًا أصبح رئيس تحرير مجلة "صباح الخير".

أعز الولد

ويكمل بنفس نبرة الحب والفخر، لكن في حياتها الشخصية كانت حنونة مع أحفادها، شخصية مغايرة تمامًا. كنا ندخل عليها دون استئذان، ونفطر معها كل يوم أحد في "جروبي"، وهو يوم إجازة المجلة، ثم نذهب معًا إلى النادي، وبعدها إلى منزلها.

سألته عن علاقة إحسان عبد القدوس بوالدته؟

فقال: كان يصفها بأنها «معجزة إنسانية». تزوجت عام 1917 من محمد عبد القدوس، ثم انفصلا بعد مدة قصيرة… نشأ والدي الحبيب بين مجتمعين: العباسية المحافظة، وعالم الفن الحر… وكان يجالس أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم.

ومن المواقف المؤثرة أنه أُصيب بحمى، وكانت أمه لديها التزامات في المسرح، حتى أخبرها الطبيب بضرورة ترك العمل حتى يشفى ابنها، وإلا مات.

وعند كتابة مذكراتها، كتبت عن ذلك اليوم أن كل أحلامها أصبحت أن يعيش ابنها، ونسيت أمجادها كلها

وهو ما ألهمه قصة «استقالة عالمة ذرة».

هل قرب العمل الصحفي والسياسي بينهما؟

يقول عنها إحسان في أحد مقالاته الشهيرة: كانت تشخط في الجميع، وتمزق مقالات الجميع، ثم تبتسم، فيرون في ابتسامتها حنان الأم وقسوة الأستاذة…

في العمل الصحفي، كان إحسان ثائرًا، ومن أشهر مقالاته «الجمعية السرية التي تحكم مصر»، والذي أدى إلى سجنه.

فقد دعا فيه مجلس قيادة الثورة إلى التخلي عن أسلوب الجمعيات السرية الذي لم يعد يصلح للحكم، وكان مصيره الإيداع في السجن.

وفي تلك الفترة، فكرت روز اليوسف في أن تصدر المجلة دون ذكر كلمة "الثورة"، حتى لا تتعرض للمصادرة، وبالفعل استمرت ثلاثة أشهر دون مصادرة.

وأرسلت خطابًا إلى جمال عبد الناصر من أشهر الخطابات في تاريخ مصر، حيث كتبت لرئيس الدولة قائلة:

إنك باختصار في حاجة إلى الخلاف كحاجتك إلى الاتحاد… إن كل مجتمع سليم يقوم على هذين العنصرين معًا، ولا يستغني بأحدهما عن الآخر، الاتحاد للغايات البعيدة والمعاني الكبيرة، والخلاف للوسائل والتفاصيل… انظر إلى الأسرة الواحدة في البيت الواحد، قد تراها متماسكة متحابة متضامنة…

إن الحرية لا يستفيد منها أبدًا إلا الأحرار، والنور لا يفزع إلا الخفافيش… أما الهمسات في الظلام، والبسمات التي يبطنها النفاق والمدائح التي يمتزج بها السّم الزعاف… فلا شيء يبطل مفعولها إلا النور والهواء الطلق والرأي العام النابه الحريص. ولا تصدقوا ما يقال من أن الحرية شيء يباح في وقت ولا يباح في وقت آخر، فإنها الرئة الوحيدة التي يتنفس بها المجتمع ويعيش، والإنسان لا يتنفس في وقت دون آخر… إنك بكل تأكيد تضيق ذرعًا بصحف الصباح حين تطالعها فتجد أنها تكاد تكون طبعة واحدة لا تختلف إلا في العناوين…

كيف أثّرت نشأة الأديب الكبير إحسان عبد القدوس بين مجتمعين مختلفين في تكوين شخصيته؟

كانت عمتي آمال طليمات تقول إن إحسان يكتب بأسلوب مجتمع السيدة روزاليوسف، لكنه في البيت رجل من العباسية… أي إنه يكون متحررًا تمامًا في عمله وكتاباته الأدبية، لكن في البيت هو رجل محافظ، يرى أن المرأة مملكتها بيتها.

وكان يمنح زوجته «لولا» لقب رئيس مجلس إدارة البيت، وكانت بدورها مسؤولة عن كل شيء في حياته: ملابسه وطعامه. كان يعطيها كل نقوده، وهي تتصرف بها بثقة كاملة… بل وتعطيه مصروفه.

وحين سألته عن الحب والحرية، قال: كان والدي صادقًا… أحب والدتي حبًا شديدًا، وعاش معها في مودة ورحمة… كانت حبه الأول والأخير… أما الحرية، فقد تربينا عليها، ولم يُجبر أحدنا يومًا على ما لا يريد…

للمزيد تابع

الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك

أخبار متعلقة :