اول مترجم اشرطة السينما في مصر والعالم العربي ” انيس عبيد “

باسل النجار = الرياض في الجمعة 28 أكتوبر 2022 12:53 صباحاً - الأفلام السينمائية من أبرز أدوات القوة الناعمة، فبمجرد عرض فيلم ما خارج نطاق بلده، فإنه يكون بمثابة سفيرا للتعبير عن ثقافة شعبه وأفكاره وأحلامه، وللتغلب على مشكلة اختلاف اللغة بين الشعوب، كان لابد من أن يكون هناك وسيطا لنقل الرسالة، وأصبحت ترجمة الأفلام بلغات مختلفة هي الحل الحاسم.

Advertisements

 

وعلى مدى أكثر من 70 عاما، عُرِض في مصر آلاف الأفلام الأجنبية، نال بعضها شهرة واسعة ونجاحا امتد لأجيال، ليأتي السؤال عن “من هو الشخص صاحب هذا الدور الكبير في تشكيل ثقافتنا وذكرياتنا مع السينما الأجنبية؟”.

 

بدأت الفكرة على يد شاب يدرس الهندسة اسمه “أنيس عبيد”، عزّ عليه أن يرى لغة بلاده قليلة مهملة، فأخذ يدرس الأساليب التي تتبعها الدول الأخرى في ترجمة الأفلام إلى لغتها، وذلك بحسب مجلة “آخر ساعة” في عدد ديسمبر 1952.

 

وكما يقولون “الحاجة أم الاختراع”، كان التصميم على الفكرة نابع من تجربة خاصة لـ”عبيد”، وبوصفه عاشقا للسينما، كان ينتقل من دار عرض إلى أخرى يتابع كل ما هو جديد على الشاشة، لكنه لم يكن في أسعد حال، والسبب هو “مأساة ترجمة هذه الأفلام”.

 

وصف “عبيد” تلك المأساة، قائلا: “لا يمكن لشخص لم يعاصر الأفلام الأجنبية في مصر مع بداية الأربعينيات، أن يتخيل المأساة التي كنا نعيشها، كانت تظهر ترجمة ركيكة مقتضبة على شاشة جانبية صغيرة ضعيفة الإضاءة، لكنها كانت تكتب على شريط مستقل يعرض بواسطة فانوس سحري، ويتولى أحد موظفي السينما تحريك الشريط يدويا حسب سير مشاهد الفيلم التي تمر أمامه، ولا يمكن لشخص مهما بلغت ثقافته وسرعة بديهته أن يقوم بهذه العملية، فما بالك بموظف يجهل اللغتين العربية والإنجليزية؟”.

 

وأضاف عبيد: “كان المتفرج يُصاب بدوار وصداع لأنه يضطر إلى تحريك رأسه ذات اليمين وذات اليسار، مرة لمشاهدة لقطة خاطفة من الفيلم، ومرة لقراءة ما يسمى مجازا بـ(الترجمة)، وهي في الغالب شيء لا علاقة له بما يدور على الشاشة، فهي إما سابقة له أو لاحقة”، وذلك بحسب مقال الكاتب عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر” الذي صدر عن “دار الكرمة” عام 2017.

 

يتابع طاهر في كتابه: “ظل (عبيد) يفكر في حل لهذه المأساة المتكررة، حتى أنهى دراسة الهندسة. ويوم أن وضع قدمه في باريس ليبدأ مشوار الحصول على الماجستير، قادته الصدفة إلى الحل. ففي مقر الجامعة، قرأ طالب الماجستير إعلانا بالصدفة عن دورات تدريبية لـ(كيفية دمج الترجمة المكتوبة على شريط السينما)، وكان الهدف منها (دعم الأفلام العلمية)، لوجود حاجة ملحة طوال الوقت لكتابة المصطلحات على الشاشة، لكنه وجد في الأمر مدخلا لعمل جديد يجمع بين هوايته السينمائية ونوع من البيزنس غير الموجود في مصر”.

 

وأصبح لتلك الدورة أثرا في مسار “عبيد” المهني؛ حيث تعرف خلال فترة الدراسة على هامش الدورة، على مدير أحد الاستديوهات في باريس، جمعته به صداقة عميقة بسبب عشق كلاهما للشطرنج، ليعرض “عبيد” عليه أن يتعرف على المزيد من أسرار الترجمة، ويقرر هجر الهندسة بغير رجعة.

 

تعلم عبيد “أصول الصنعة”، وقرر أن ينقل ما تعلمه لبلده، ليحل المشكلة التي كان هو أحد المتضررين منها؛ ويخوض معركة مع صناع السينما في مصر؛ لإقناعهم بالفكرة، بعد أن نجح في طبع الترجمة على فيلم أجنبي.

 

وجد “عبيد” في البداية ترحيبا كبيرا من موزعي الأفلام، كانوا كلهم من الأجانب، فعهدوا إليه بطبع الترجمة الفرنسية على الأفلام، وعينوه موظفا، واستغلوه استغلالاً شديداً، وظلت اللغة العربية وحيدة على تلك الشاشة الجانبية المرهقة، وكانت حجتهم أن “معظم رواد السينما في مصر من الأجانب”، ما جعل “عبيد” غير مرتاح لهذا الوضع.

 

لم ييأس “عبيد”، حيث طرق أبواب الصحف لتساعده على توصيل صيحته، وبالفعل قادت جريدة “الأهرام” حملة صحفية هدفها “احترام لغة البلاد، ووضعها في المكان اللائق”، لتنجح تلك الحملة الصحفية في كسب موافقة الموزعين على طباعة الترجمة على الشاشة الأساسية، واستبعاد الأخرى الجانبية المرهقة، لكن ذلك القرار تأثر باندلاع الحرب العالمية الثانية؛ ليؤجل حلم “عبيد” قليلا.

 

ويأتي التطبيق العملي لفكرة “عبيد” بفيلم “روميو وجوليت”، ليشهد عام 1944 عرض أول فيلم مترجم، محققا إيرادات غير مسبوقة.

 

واستمرت فكرة “عبيد” وأخذت تتطور وتصل إلى ذروتها عندما عهد إليه التلفزيون العربي مع بدايته عام 1960 بترجمة الأفلام والحلقات الأجنبية التي يعرضها، فتوسع “عبيد” في صناعة أجهزة الترجمة التي ابتكرها، وتدريب موظفين جدد على إدارتها.