سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 5 مارس 1955.. الضابط على خشبة يدخل «عُمان» سرا بتكليف من عبدالناصر للقاء «الإمام غالب» ويعود عبر الصحراء إلى السعودية فى قافلة مربوطا على جمل

ياسر الجرجورة - الرياض - الخميس 5 مارس 2026 10:17 صباحاً - سأل البكباشى «على خشبة» الملحق العسكرى لمصر فى «جدة» أصدقاءه السعوديين ذوى الخبرة عن كيفية السفر إلى «عمان»، فأجابوه، ولم يكن سؤاله بغرض قيامه برحلة عادية، وإنما لتنفيذ مهمة سرية خاصة كلفه بها الرئيس جمال عبدالناصر فى خطاب أرسله إليه فى فبراير 1955، وقال فيه: «اتصل بنا طالب بن على أخو الإمام فى بلاد عُمان، وشرح لنا طرفا من قضية تعدى الإنجليز على بلاده، عليك أن تتوجه إلى عمان ولا تسألنا عن الوسيلة.. قابل الإمام وابحث القضية وابعث لنا بالتفاصيل».

Advertisements

كان هذا الخطاب بداية قصة مثيرة ودرامية حدثت لعلى خشبة، ويكشفها «فتحى الديب» مسؤول الشؤون العربية برئاسة الجمهورية، ورجل المهام السرية لعبدالناصر فى حركات التحرر العربية، ويذكر فى كتابه «عبدالناصر وتحرير المشرق العربى» أنه فى نوفمبر 1954 وصل إلى القاهرة شخص قدم نفسه باسم «طالب بن على» شقيق الإمام غالب بن على حاكم إمارة عمان، مبديا رغبته فى لقاء جمال عبدالناصر ليبلغه رسالة شخصية من شقيقه الإمام غالب.

يوضح «الديب» انطباعه الأول عن شخصية «طالب بن على»، قائلا: «شخصية عربية فريدة تتسم بكل ما تحمله معانى البداوة من صفات أكدها الرداء البدوى الذى يرتديه والخف الذى انتعله والصرامة الجافة على وجهه، والصوت الأجش الذى صدر عنه، والبعد الواضح عن الإلمام بأى صورة من صور المدنية فى التعامل»، ويؤكد «الديب» أنه بذل جهدا مضنيا استمر ثلاث ساعات لإقناعه بالكشف عما يريد إبلاغه للرئيس عبدالناصر.

كشف «طالب»، أنه جاء لمصر بعد أن تدارس هو والإمام غالب ومعاونيه من مشايخ القبائل العمانية، وما سمعوه عن وقوف جمال عبدالناصر وثورة 23 يوليو إلى جانب الشعوب العربية المناضلة من أجل حريتها، وأنهم فى عمان يواجهون غزو السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط والإنجليز لأرض عمان «لم تكن الدولة موحدة وقتها»، ويطلبون من مصر إمدادهم بألف وخمسمائة إبرة ضرب نار جديدة لاستخدامها فى البنادق المعطلة حاليا لمواجهة الغزو، وقدم «طالب» نموذجا من الإبرة المطلوبة، ثم انصرف على وعد من «الديب» بدراسة الأمر، ويؤكد «الديب» أنه بينما كانت لقاءاته تتواصل مع «طالب» كان يستعين بوزارة الخارجية والجامعة العربية لمعرفة الأوضاع فى «عمان» و«مسقط»، ثم رفع تقريرا إلى عبدالناصر الذى قرر معاينة الأمر سرا على أرض عمان، واختار «خشبة» لهذه المهمة، وبعث إليه بخطابه.

يكشف «خشبة» فى شهادة خاصة كتبها لفتحى الديب لنشرها فى كتابه «عبدالناصر وتحرير المشرق العربى»، أنه بعد أن استلم خطاب عبدالناصر سأل عن كيفية السفر، فزوده الشيخ إبراهيم السليمان مدير مكتب الأمير فيصل بن عبدالعزيز ولى العهد السعودى، بمفتاح الرحلة الأول، وهو أحد رجال المملكة فى «دبى» وهمزة الوصل بين المملكة وإمام عمان.
بعد ذلك بدأ «خشبة» الرحلة من قطر إلى الشارقة صباح 5 مارس، مثل هذا اليوم، 1955، وفى الشارقة سجل اسمه بالفندق ثم ترك حقيبته وغير ملابسه بأخرى عمانية حتى لا يلفت الأنظار، وفى عربة من الفندق توجه إلى دبى، وبحث عن الرجل الذى أخبره به الشيخ «السليمان»، وأخيرا وجده فى محل تجارته، وسلمه توصية فى خطاب من «السليمان»، لكن الرجل رد باستحالة الرحلة لأن القوات البريطانية طوقت المنطقة كلها وتبحث عن الثوار والأسلحة.

أصر «خشبة» على تنفيذ الرحلة، فخبأه الرجل فوق سطح بيته خارج دبى سبعة أيام، حتى رتب رحلة بحرية لمركب يحمل أخشابا إلى عمان، وركبها «خشبة» متخفيا فى زى عمانى، ودار المركب حول مضيق هرمز ليصل إلى شاطئ عمان بعد 60 ساعة، ومن الشاطئ تسلل «خشبة»، ومعه دليلان عبر طريق جبلى سار فيه ثلاثة أيام حتى دخل إلى «نزوى» عاصمة عمان، ليلتقى وجها لوجه مع الإمام غالب.

يذكر «الديب» أن «على خشبة» كان أول مسؤول مصرى يدخل عمان منذ أكثر من مائة عام، واستبشر المسؤولون العمانيون بقدومه خيرا، خاصة أن الأمطار هطلت بعد انقطاع دام عشرين عاما، وبدأت الاجتماعات وحدد العمانيون فيها مطالبهم، وبعد انتهاء المهمة قرر «الإمام» أن تكون عودة «خشبة» عن طريق واحة البريمى بواسطة رحلة لقافلة إبل، يقودها «دليل عمانى»، وتستغرق 15 يوما سيرا.

يكشف «خشبة» عن أهوال هددت حياته فى رحلة العودة، كإصابته الشديدة بالملاريا، مؤكدا أن حالته ساءت إلى درجة أن الدليل العمانى ربطه بالحبال على الجمل الذى يركبه خوفا من سقوطه أثناء السير، حتى وصل إلى بلدة البريمى، ولما علم حاكمها السعودى نقله إلى المستشفى، ثم انتقل منها إلى الظهران وفيها حاول حاكمها الأمير سعود بن جلوى أن يعرف منه أسباب وجوده فى البريمى وزيارته إلى عمان لكن لم يستطع، وأخيرا طلب «خشبة» أن يلتقى الملك سعود الذى كانت تربطه به علاقة طيبة، وفى اللقاء أعطى للملك صورة عامة لما حدث لطمأنته وبناء على توجيه من عبدالناصر.

أخبار متعلقة :