الصراع في الشرق الأوسط يعيد تشكيل عالم الفن العالمي في عام 2026..من التفاؤل إلى الارتباك.. آرت دبي يواجه اختبار البقاء وسط نيران الحرب.. هل يفقد الشرق مكانته كمركز صاعد لسوق الفن؟

ياسر الجرجورة - الرياض - الاثنين 30 مارس 2026 07:23 مساءً - في فبراير 2026، ومع اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وجدت أسواق الفن في الخليج نفسها أمام منعطف حاسم، فبعد أن كانت المنطقة تبشر بعام محوري في تاريخها الفني، مدعومة بتوسع غير مسبوق في المعارض والمزادات، سرعان ما تحول التفاؤل إلى حالة من القلق والترقب.

Advertisements

التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، الذي بدأ بضربات على إيران وتبعتها ردود صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة في أنحاء الخليج، أحدث صدمة في المنظومة الفنية، ما كان ينظر إليه كتوتر إقليمي محدود، تحول إلى أزمة شاملة عطلت الخدمات اللوجستية، وأجبرت مؤسسات فنية على الإغلاق أو إعادة النظر في خططها.

ففي مطلع العام، أظهر استطلاع لشركة ArtTactic أن 76% من خبراء السوق توقعوا تحسن المبيعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، متفوقين على السوق الأمريكية التي لم تتجاوز نسبة التفاؤل فيها 48%، التقرير السنوي للشركة أشار إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة مدعومة بجدول موسع من المعارض والمزادات، أبرزها معرض آرت دبي الذي يستعد لدورته العشرين في أبريل.

الحرب قلبت المشهد رأسا على عقب

لكن بعد شهرين فقط، قلبت الحرب المشهد رأسًا على عقب، مع صدمات في أسعار ، وهجمات صاروخية وطائرات مسيرة على دول الخليج، وفي مقدمتها والسعودية وقطر، التي باتت محط أنظار عالم الفن.

قال  أندرس بيترسون، مؤسس ومدير ArtTactic، في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز إن "المشهد تغير جذريًا، ولا شك أن استمرار الوضع سيؤثر على سوق الفن في الشرق الأوسط، خاصة مع احتمال تعطل الإيقاع المنتظم للمعارض والمزادات، التي تُعدّ ركيزة أساسية للنظام البيئي الفني في المنطقة".

ارتباك في المعارض واللوجستيات

معرض آرت دبي، المقرر بين 15 و18 أبريل، يواجه تحديات مباشرة، بعض صالات العرض الدولية انسحبت بالفعل، مثل معرض فيجو اللندني، الذي أعلن مديره توبي كلارك أن "المخاطرة مقابل المكافأة غير مجدية"، مشيرًا إلى أن قرب موقع القصف لا يشجع على شراء سلع غير ضرورية.

شركات التأمين بدورها أبدت تحفظًا، إذ أوضح روبرت ريد من شركة هيسكوكس أن إرسال الأعمال الفنية إلى الشرق الأوسط ليس أولوية مقارنة بالإمدادات الطبية، فيما أشارت كورالي زكار من شركة كومين إلى صعوبة تصنيف الوضع في دبي، التي ليست في حالة حرب رسمية، ما يرفع تكاليف التأمين.

في المقابل، يحاول القائمون على آرت دبي المضي قدمًا قال بن فلويد، الرئيس التنفيذي للمجموعة: "ما زال أمامنا شهر ونخطط لإقامة المعرض أنا متأكد من أن بعض المعارض الدولية ستنسحب، لكن هناك شعور محلي بضرورة الاستمرار".

المتاحف الكبرى.. مرونة رغم العاصفة

رغم هذه الاضطرابات، يواصل مشروع متحف غوغنهايم أبوظبي استعداداته للافتتاح هذا العام، قالت مارييت ويسترمان، مديرة مؤسسة غوغنهايم، إن "كل شيء يسير وفق الجدول الزمني المحدد"، لكنها تقر بأن الحرب تجعل تحديد تاريخ الافتتاح أمرًا غير مؤكد.

أضافت: "منذ 2005 واجهنا أزمات عديدة: الأزمة المالية العالمية، الانتفاضات العربية، جائحة كوفيد-19، يجب أن ننظر إلى الأمور بواقعية".

كورش نوري، مدير معرض كاربون 12 في دبي، يرى أن الوضع ليس سيئًا كما كان خلال الجائحة، ويؤكد أن المعارض المحلية استأنفت نشاطها بشكل شبه طبيعي.

أضاف: "على الرغم من أن هجمات الطائرات المسيرة مرعبة، إلا أنها لم تؤثر على عملنا المهني، الناس هنا يرغبون في الخروج والتنزه".

الحرب تهدد أجندة الفن الخليجي وتربك المؤسسات الدولية

كما أثار النزاع في الشرق الأوسط، قلقًا واسعًا في أوساط صناعة الفن العالمية، فقد أشار كبير مراسلي سوق الفن في موقع Artnet (6 مارس 2026) إلى أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على معرض دبي الفني، ووضعت التزام الشركات الغربية الكبرى مثل سوثبى وكريستيز وفريز على المحك، بعد أن استثمرت بكثافة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

أحد تجار الفن الأوروبيين صرّح للموقع بأن "من الصعب تصور إقامة المعرض كالمعتاد في ظل تداعيات السفر"، مشيرًا إلى أن بعض هواة جمع الأعمال الفنية بدأوا بالفعل في إعادة النظر في رحلاتهم إلى دبي.

ورغم استمرار الاستعدادات لمعرض فريز أبوظبي المقرر في نوفمبر 2026، فإن المتحدث الرسمي باسم المعرض أكد تضامنه مع المنطقة، لكنه أقر بوجود حالة من عدم اليقين، هذه الضبابية تعززها الفوضى اللوجستية الأوسع نطاقًا، توقف الرحلات الجوية، إغلاق المجال الجوي، وتأخيرات الشحن، ما انعكس بشكل مباشر على الفعاليات الثقافية، فقد علّقت مؤسسات بارزة مثل معرض ليلى هيلر وذا ثيرد لاين في دبي، ومتحف اللوفر أبوظبي ومركز جميل للفنون في العاصمة الإماراتية، برامجها الحضورية أو حولتها إلى منصات رقمية.

السوق بين التفاؤل والحذر

بحسب تقرير UBS/Art Basel 2025، سجل سوق الفن العالمي نموًا بنسبة 4% ليصل إلى 59.6 مليار دولار، لكن خبراء يحذرون من أن الصراع قد يعرقل زخم الخليج، الذي يُعد محركًا رئيسيًا للنمو وسط التراجعات الغربية. على المدى القصير، يثني عدم اليقين المشترين الأثرياء عن الإنفاق، فيما ترتفع تكاليف الخدمات اللوجستية، وعلى المدى الطويل، قد نشهد "إعادة تمركز إقليمي" مع انتقال التجارة إلى مراكز أكثر استقرارًا.

في الوقت نفسه، يبرز البعد السياسي، إذ أثارت الحرب دعوات لمقاطعة إسرائيل في بينالي البندقية 2026، حيث وقّع 178 مشاركًا على رسالة تطالب باستبعادها، هذا يوضح كيف تتقاطع الجغرافيا السياسية مع الفن، ليس فقط في السوق، بل أيضًا في الشرعية الثقافية.

الفن كأداة مقاومة وذاكرة

يخلص تقرير فايننشال تايمز إلى أن الصراع في الشرق الأوسط أجبر عالم الفن على مواجهة هشاشته، معارض في حالة ترقب، واستثمارات تحت الاختبار، لكنه في الوقت نفسه يعزز دور الفن كجسر وشاهد، يذكّر بأن الثقافة تصمد في أوقات الحرب كضحية وكقوة مقاومة.

أخبار متعلقة :