ياسر الجرجورة - الرياض - الخميس 19 مارس 2026 10:29 مساءً - في خضم واحدة من أخطر موجات التصعيد التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود، حين أطلقت إيران صواريخها الباليستية ومسيّراتها المسلحة على عواصم خليجية شقيقة بدءاً من مطلع مارس الجارى، لم تكن مصر بعيدةً عن المشهد، بل كانت في قلبه؛ حيث وقف السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما عهدناه فى كل لحظة فارقة، شامخاً حاملاً رسالةً واحدة لا تقبل التأويل: أمن الخليج العربي من أمن مصر، وأن ما يمس شقيقةً في الخليج، إنما يمس مصر فى صميم أمنها القومي.
الرئيس السيسى: أمن الخليج خط أحمر.. ومصر لن تتوانى عن الدفاع عن أشقائها
لم تكن مواقف الرئيس السيسي مجرد كلمات تُقال في المحافل والبيانات، بل تحوّلت إلى منظومة دبلوماسية فاعلة متكاملة، شملت اتصالاتٌ هاتفية متتالية مع أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وسلطان عمان السلطان هيثم بن طارق، يطمئن عليهم ويؤكد لهم وقوف مصر الكامل إلى جانبهم. وفي لفتة غير معتادة في الدبلوماسية، لم يتردد الرئيس السيسي في إيصال رسالة الرفض المصري مباشرةً إلى طهران خلال اتصاله بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مؤكداً أسف مصر للتصعيد الراهن، ومطالباً بوقف الهجمات فوراً واحترام مبدأ حسن الجوار وسيادة الدول.
وعلى امتداد الأسابيع الماضية، أدار الرئيس السيسي دفة الأزمة بحنكة دبلوماسية لافتة؛ فوجّه وزير خارجيته الدكتور بدر عبد العاطي في جولة خليجية مكثفة، شملت الدوحة، والرياض، وأبوظبي، ومسقط، وعمّان، وكذلك إلى الأردن، حاملاً رسالة التضامن المصري بشخصه، ثم استمع إلى تقرير شامل بنتائج تلك الجولة في لقاء رئاسي، يعكس عمق الاهتمام المصري الرسمي بما يجري في الخليج.
مصر تُدين بأشد العبارات وتُبلّغ طهران رسمياً: لا مبرر لهذه الاعتداءات
وفي موقف يختصر فلسفة الرئيس السيسي تجاه أشقائه، قال صراحةً: "مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، والأمن القومي الخليجي امتداد طبيعي للأمن القومي المصري"… تلك الكلمات لم تكن خطاباً للاستهلاك الإعلامي، بل كانت ترجمةً صادقة لموقف راسخ لا يتزعزع، موقف تجسّده تحركات دبلوماسية متواصلة وإدانات قاطعة وبيانات رسمية حازمة، تؤكد جميعها أن مصر تقف بكل ثقلها وحضورها السياسي والتاريخي، سداً منيعاً أمام أي تهديد يطال أشقاءها العرب.
(صواريخ وعشرات المسيّرات.. إيران تُشعل الخليج وتستهدف الحياة والطاقة والاستقرار)
وفي مشهد غير مسبوق في تاريخ منطقة الخليج العربي، شهدت المنطقة منذ مطلع مارس الجاري، تصعيداً عسكرياً خطيراً، حين أطلقت إيران وابلاً متواصلاً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدف البنية التحتية الحيوية في خمس دول خليجية دفعةً واحدة؛ إذ أعلنت كلٌّ من المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين، تعرّضها لهذه الهجمات المنسّقة في آنٍ واحد.
واعترضت المملكة العربية السعودية وحدها، سبعة صواريخ باليستية، واثنتين وعشرين طائرة مسيّرة، فيما سقطت مسيّرتين في محيط مطار دبي الدولي، مما أوقع إصابات في صفوف المدنيين، بينما أعلنت قطر استهداف مدينة رأس لفان الصناعية العملاقة المُشغِّلة لأكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، فيما كشفت البحرين عن اعتراضها 134 صاروخاً، و238 طائرة مسيّرة منذ اندلاع النزاع.
ولم تقتصر الهجمات على دول الخليج فقط، بل امتدت لتطال مواقع في الأردن، والعراق، وعدد من الدول العربية الأخرى، في تصعيد وصفه المراقبون بأنه يُشكّل خطراً بالغاً على أمن الطاقة العالمي والاستقرار الإقليمي برمّته.
لم تتردد جمهورية مصر العربية في الإفصاح عن موقفها بوضوح لا لبس فيه؛ فقد أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً قاطعاً أعلنت فيه إدانتها الشاملة والكاملة لجميع الاعتداءات التي طالت دول الخليج العربي الشقيقة.
وجاء في البيان أن مصر تُدين بأشد العبارات استهداف مدينة الرياض بصواريخ باليستية، وتجدّد وقوفها الكامل إلى جانب المملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً وشعباً في مواجهة هذه الاعتداءات المستهجنة وغير المبررة، مؤكدةً أن أمن المملكة يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمن مصر والعالم العربي كله.
كما أدانت مصر بالقدر ذاته الاستهدافَ المتواصل للإمارات العربية المتحدة الشقيقة، وجدّدت تضامنها الكامل معها، فضلاً عن إدانتها القاطعة لأي تهديدات تستهدف المنشآت النفطية وحقول الغاز في دول الخليج، بما في ذلك منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان بقطر، مؤكدة وقوفها الكامل إلى جانب قطر الشقيقة في مواجهة أي اعتداءات آثمة، ومُعربةً في الوقت نفسه عن قلق بالغ من الأثر المدمّر لاستهداف منشآت الطاقة على أمن الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي وحقوق الشعوب.
وفي إجراء غير معتاد، لم تكتفِ مصر بإدانة الاعتداءات على الخليج، بل أدانت كذلك استهداف حقل بارس الجنوبي الإيراني، باعتباره يُمثّل امتداداً لحقل غاز الشمال في قطر، معتبرةً ذلك انتهاكاً صريحاً وفاضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.
الرئيس السيسي بحسم: المصير العربي واحد.. وأمن الخليج امتداد لأمننا القومي
وعلى مدار الأسابيع الماضية، حملت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي رسائل استراتيجية واضحة لم تترك مجالاً للتأويل؛ حيث شدّد مراراً وتكراراً على أن أمن دول الخليج العربي ليس شأناً خارجياً بالنسبة لمصر، بل هو جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي في مفهومه الشامل.
وأعلن الرئيس السيسي أن مصر تقف بكل ثقلها ومقدراتها إلى جانب أشقائها في الخليج، وأنه مستعدٌ شخصياً لتقديم جميع أشكال الدعم الممكنة، حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها، مؤكدا إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق الشقيقة، مشدّداً في الوقت نفسه على أن هذه الاعتداءات لا ذريعة تبرّرها ولا مسوّغ يُقبلها.
وفي اتصال مباشر أجراه الرئيس السيسي مع الرئيس الإيراني بزشكيان، لم يُحجم السيسي عن إيصال الرسالة ذاتها مباشرةً للطرف الإيراني، إذ أعرب عن تطلع مصر إلى إعلاء مبدأ حسن الجوار ووقف هذه الهجمات على وجه السرعة، مؤكداً أسف مصر للتصعيد الراهن وقلقها البالغ منه، ومشدّداً على أهمية الحفاظ على استقرار المنطقة وتجنّب أي تصعيد عسكري قد يُفضي إلى اتساع دائرة الصراع.
وقد أبدى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات تقديره العميق لهذه المواقف المصرية الثابتة، فيما أعرب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن خالص شكره وتقديره للرئيس السيسي على تضامن مصر الدائم.
مصر تبلغ طهران رسمياً: لا ذريعة ولا مبرر .. أوقِفوا الاعتداءات فوراً
وفي خطوة دبلوماسية لافتة تعكس جدية الموقف المصري، أجرى وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني، حمل فيه رسالةً صريحةً ومباشرةً، أكد خلالها خطورة الوضع في المنطقة وأهمية وقف اتساع رقعة الصراع، خاصةً في اتجاه دول الجوار، مُكرّراً إدانة مصر الكاملة ورفضها لكافة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن والعراق، بل وامتدّت الإدانة المصرية لتشمل الاعتداءات على تركيا وأذربيجان. وأكد عبدالعاطي أنه لا يوجد أي مبرر أو ذريعة مقبولة لهذه الاعتداءات، محذراً من التداعيات الكارثية لاستمرار دائرة العنف، ومشدّداً في الوقت نفسه على ضرورة تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار، سبيلاً وحيداً لاحتواء التوتر وتجنيب المنطقة الانزلاق نحو فوضى شاملة تُهدّد السلم والأمن الإقليميين والدوليين.
عبد العاطي يحمل رسالة القاهرة شخصياً.. من الدوحة إلى الرياض وأبوظبي: مصر تقف معكم
وبتوجيهات مباشرة من الرئيس السيسي، انطلق وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في الخامس عشر من مارس الجاري في جولة خليجية واسعة النطاق، بدأها من العاصمة القطرية الدوحة؛ حيث التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ثم توالت المحطات لتشمل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان، في مسيرة دبلوماسية استثنائية، هدفها المُعلَن توجيه رسالة تضامن صريحة للأشقاء العرب، وتعزيز التنسيق والتشاور المصري الخليجي العربي إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وعاد وزير الخارجية بعد جولته إلى القاهرة ليرفع تقريراً شاملاً للرئيس السيسي، الذي استقبله وبحث معه نتائج الزيارات ومخرجاتها، مُجدّداً التأكيد على التضامن المصري الكامل مع الأشقاء العرب في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة.
الأزهر يُعلن موقفه .. ومصر ترفض توظيف الأزمة إعلامياً
ولم يقتصر الموقف المصري على الجانب الرسمي والسياسي؛ حيث دخل الأزهر الشريف على الخط بقوة، مطالباً إيران بوقف فوري وغير مشروط لما وصفها بـ"اعتداءاتها" على دول الخليج والدول العربية والإسلامية، مؤكداً أن هذه الهجمات تُمثّل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وللشريعة الإسلامية السمحاء التي تُحرّم إراقة الدماء والاعتداء على الآمنين.
وفي السياق ذاته، رفضت مصر ما وصفته بـ"الممارسات الإعلامية المسيئة" التي حاولت توظيف الأزمة في تشويه العلاقات المصرية الخليجية، مؤكدةً أن هذه العلاقات تقوم على ثوابت راسخة لا تتأثر بأي تشويش .. وفي مؤتمر صحفي رسمي، أكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، رفض مصر التام للحرب وإدانتها للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والدول العربية جميعاً.
مصر تدعو إلى قوة عربية.. والدبلوماسية بديلاً عن المدافع
ولم يقتصر الدور المصري على الإدانة والتضامن، بل أعلنت مصر عن رؤية استراتيجية أعمق تتمثّل في الدعوة إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات التي تُحدق بالمنطقة العربية.
وفي كلمة ألقاها وزير الخارجية خلال اجتماعات عربية طارئة، أكد عبد العاطي ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، والاحتكام للحوار والدبلوماسية لاحتواء الموقف المتصاعد ومنع اتساع رقعة الصراع.
كما شدّد على أهمية تكثيف التنسيق الإقليمي والدولي للحفاظ على استقرار المنطقة وحماية أمن الملاحة الدولية، محذّراً من التداعيات الكارثية لاستمرار دائرة العنف التي تُهدّد السلم والأمن الإقليميين والدوليين، وتنعكس سلباً على الاقتصادات العالمية ورفاهية الشعوب.
مصر لم تغب يوماً حين ينادى على العرب.. والسيسي يؤكد: أمن الخليج ليس خياراً بل التزام لا يتفاوض
وتبرز من خلال هذا المشهد المتسارع، صورة متكاملة لدور مصري فاعل ومحوري في التعامل مع أخطر أزمة تضرب المنطقة منذ سنوات؛ فمن خلال تضافر البيانات الرسمية والاتصالات الرئاسية والجولات الدبلوماسية المكثفة، تُرسي مصر موقفها القائم على ثوابت واضحة، تتمثل في إدانة الاعتداءات بلا تحفّظ، والوقوف الراسخ إلى جانب الأشقاء في الخليج، وإيصال رسالة الرفض مباشرةً إلى الطرف الإيراني، مع التمسك بالدبلوماسية والحوار سبيلاً حضارياً للحل.
وفي ظل تصاعد التوترات وتشابك المصالح، تعود مصر مرةً أخرى لتؤكد معادلتها الذهبية التي لا تقبل التفاوض: أمن الخليج من أمن مصر، والمصير العربي واحد لا يتجزأ.
