دينا عبد العليم تكتب: مصر قد كلمتها.. لا تعرف التراجع عن محبتها تجاه أشقائها العرب.. وعلاقتها بالإمارات الشقيقة تجاوزت حدود التنسيق لمساحة من الثقة والتكامل

ياسر الجرجورة - الرياض - الجمعة 8 مايو 2026 10:37 مساءً - حين تقول مصر كلمتها، فإنها لا تُطلق وعدًا عابرًا تُذروه الرياح، بل تعقد عهدًا يظل قائمًا ما بقيت الإرادة. فهذه الدولة، التي اختبرت عبر تاريخها معنى المسؤولية، لا تعرف التراجع عن التزاماتها تجاه أشقائها العرب، ولا تتعامل مع محيطها باعتباره ساحة مصالح مؤقتة، بل امتدادًا طبيعيًا لأمنها ووجودها. ومن هنا، يصبح الوفاء بالكلمة ليس مجرد مبدأ أخلاقي، بل ركيزة من ركائز السياسة المصرية، تتجلى في المواقف قبل التصريحات، وفي الأفعال قبل العناوين.

Advertisements

 

في هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العربية المتحدة مؤخرًا، لتُعيد التأكيد على هذه القاعدة الراسخة. زيارة لم تكن في ظاهرها طويلة، لكنها في مضمونها كانت كثيفة الدلالات، عميقة الرسائل، تعكس طبيعة علاقة تجاوزت حدود التنسيق التقليدي إلى مساحة أوسع من الثقة والتكامل. لقاء جمعه مع محمد بن زايد آل نهيان، بدا وكأنه استكمال لحوار ممتد، لا يبدأ من الصفر في كل مرة، بل يبني على رصيد طويل من التفاهم المشترك.
العلاقات بين مصر والإمارات ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود مضت، منذ أن تأسست دولة الإمارات، لتجد في مصر سندًا وشريكًا، وتجد مصر في الإمارات نموذجًا لعلاقة عربية تقوم على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة. ومع تعاقب السنوات، لم تضعف هذه الروابط، بل ازدادت صلابة، خاصة في اللحظات الفاصلة التي احتاجت فيها المنطقة إلى مواقف واضحة لا تحتمل الالتباس.


وقد برز هذا المعنى بوضوح في السنوات الأخيرة، حين وقفت الإمارات إلى جانب مصر في ظروف دقيقة، مؤكدة أن العلاقات الحقيقية تُقاس وقت الأزمات، لا في أوقات الرخاء. ومنذ ذلك الحين، أخذت الشراكة بين البلدين مسارًا أكثر عمقًا، حيث تداخلت الأبعاد السياسية مع الاقتصادية، وتشابكت المصالح مع الرؤى، لتُنتج نموذجًا متكاملًا من التعاون.
الزيارة الأخيرة حملت في طياتها أكثر من رسالة؛ أولها أن هذا التحالف لا يزال قويًا ومتماسكًا، وثانيها أن التنسيق بين البلدين مستمر على أعلى مستوى، وثالثها أن المنطقة، رغم ما تواجهه من تحديات، لا تزال تمتلك نقاط ارتكاز قادرة على حفظ توازنها. لم تكن هناك حاجة إلى بيانات مطولة، فمجرد انعقاد اللقاء في هذا التوقيت كان كافيًا ليقول الكثير.


اقتصاديًا، تعكس العلاقة بين البلدين مستوى غير مسبوق من التعاون، حيث أصبحت الإمارات أحد أبرز الشركاء الاستثماريين لمصر، من خلال مشروعات كبرى وتدفقات مالية تعكس ثقة حقيقية في الاقتصاد المصري. وهذه الشراكة لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على إحداث تأثير فعلي في مسار التنمية، وعلى خلق فرص جديدة للنمو.
أما سياسيًا، فإن التنسيق بين القاهرة وأبوظبي يشكل أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة، حيث تتقارب الرؤى تجاه معظم القضايا الإقليمية، من دعم الدولة الوطنية، إلى مواجهة الإرهاب، مرورًا بالسعي إلى حلول سياسية للأزمات المعقدة. هذا التوافق لا يأتي صدفة، بل نتيجة فهم مشترك لطبيعة المرحلة، وإدراك عميق لخطورة البدائل.


غير أن ما يمنح هذه العلاقة خصوصيتها الحقيقية، هو بعدها الإنساني، ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط بين الشعبين، ويجعل من أي تقارب رسمي انعكاسًا لمشاعر أعمق من مجرد المصالح. هي علاقة يشعر بها الناس في تفاصيل حياتهم، وتظهر في مواقف الدعم والتضامن، وتُترجم في لغة خطاب لا تخلو من الدفء.


وهكذا، فإن زيارة السيسي إلى الإمارات لم تكن مجرد محطة دبلوماسية، بل تأكيد جديد على أن مصر، حين تقول كلمتها، فإنها تمضي بها إلى النهاية. كلمة تعني الالتزام، وتعكس الثبات، وتُجسد رؤية ترى في التضامن العربي ضرورة لا خيارًا.


في عالم يموج بالتغيرات، تبقى بعض الثوابت قادرة على الصمود، ومصر، بتاريخها وثقلها، تظل واحدة من هذه الثوابت.

أخبار متعلقة :