باسل النجار - القاهرة - الاثنين 26 يناير 2026 01:33 مساءً - في إنجاز علمي غير مسبوق يُعد محطة مفصلية في تاريخ العلوم البيولوجية، نجح باحثون للمرة الأولى في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم وتصنيع فيروس وظيفي بالكامل داخل المختبر. ولا يقتصر هذا التطور على كونه تقدّمًا تقنيًا لافتًا، بل يشير إلى بداية حقبة جديدة قد تتيح للبشرية توجيه مسار التطور البيولوجي وابتكار أشكال حية جديدة، في تحدٍ لمسار التطور الطبيعي الذي استمر نحو أربعة مليارات عام.
وتمكن فريق بحثي من جامعة ستانفورد الأمريكية من تطوير برنامج ذكاء اصطناعي متقدم أُطلق عليه اسم Evo2، نجح في تصميم 285 فيروسًا افتراضيًا. ومن بين هذه النماذج، جرى تصنيع فيروس تجريبي حمل الرمز Evo-Φ2147 وإخضاعه لاختبارات عملية داخل المختبر.
ووُضع الفيروس المصنّع في أطباق تحتوي على مستعمرات من بكتيريا الإشريكية القولونية (E.coli)، حيث أظهرت 16 سلالة من الفيروسات المصممة قدرة فعالة على مهاجمة هذه البكتيريا والقضاء عليها. كما أثبت مزيج من هذه السلالات نجاحه في هزيمة أنواع شديدة المقاومة للمضادات الحيوية.
ووصف عالم البيولوجيا الجزيئية البريطاني البارز، أدريان وولفسون، هذا الإنجاز بأنه «لحظة ضخمة ومصيرية»، موضحًا أن التطور البيولوجي كان على مدى مليارات السنين عملية عشوائية بلا تخطيط، بينما أصبح الإنسان اليوم قادرًا على الشروع في «عملية خلق للحياة»، وإن كانت لا تزال في مراحلها البدائية.
ومن الناحية التقنية، لا يُعد الفيروس المصنّع كائنًا حيًا مستقلًا بالكامل، إذ يتكون من 11 جينًا فقط، مقارنة بنحو 20 ألف جين لدى الإنسان، كما لا يستطيع التكاثر دون وجود عائل. غير أن القيمة الحقيقية للاختراق تكمن في إثبات إمكانية تصميم الجينوم الكامل للكائنات الحية باستخدام الذكاء الاصطناعي، والجينوم هو الشيفرة الوراثية التي تحدد خصائص الكائن ووظائفه.
ويتزامن هذا التطور مع اختراق علمي آخر تمثل في ابتكار أداة جديدة لبناء الحمض النووي تحمل اسم Sidewinder، كُشف عنها في دورية Nature العلمية، وتتميز بقدرتها على إنشاء سلاسل جينية طويلة بدقة تفوق التقنيات السابقة بنحو 100 ألف مرة، ما يفتح آفاقًا واسعة في هندسة الجينات.
ويرى خبراء أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي المتقدم وأدوات التعديل الجيني الدقيق سيُحدث ثورة شاملة في مجالات الطب، وعلوم المواد، وحتى في فهم مسار التطور البيولوجي ذاته. ويشير العلماء إلى أنه لو كانت هذه التقنيات متاحة خلال جائحة كورونا، لكان من الممكن تطوير أول لقاح mRNA خلال 62 ساعة فقط بدلًا من 42 يومًا. كما يُتوقع استخدامها مستقبلًا في استعادة أنواع منقرضة أو ابتكار أنواع جديدة كليًا.
غير أن هذا التقدم يثير في المقابل مخاوف أخلاقية وأمنية عميقة، إذ تطرح القدرة على تصميم فيروسات وكائنات حية داخل المختبر تساؤلات جوهرية حول حدود التدخل العلمي وضرورة فرض ضوابط أخلاقية صارمة.
ويؤكد وولفسون أن المجتمع العلمي الدولي، إلى جانب المجتمع ككل، مطالب بفتح نقاش جاد حول من يضع الحدود، ومن يحدد القواعد، وكيف يمكن السيطرة على هذه القوة العلمية الجديدة، قبل أن تتجاوز التقنيات حدود السيطرة.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
