باسل النجار - القاهرة - الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 01:33 مساءً - كشفت دراسة دولية واسعة النطاق عن وجود 1260 متغيرًا جينيًا مرتبطًا بسمات الشخصية الرئيسية لدى الإنسان، في واحدة من أكبر الدراسات التي بحثت العلاقة بين الجينات والاختلافات الفردية في الشخصية.
وقاد الدراسة عالم النفس تيد شوابا من جامعة ميشيغان، وشارك فيها أكثر من مليون شخص، بهدف البحث في مدى ارتباط الاختلافات الجينية الشائعة بالسمات المعروفة باسم «الخمسة الكبار»، والتي تشمل الانفتاح على التجربة، والضمير الحي، والانبساط، والتوافق، والعصابية.
ما هي «الخمسة الكبار»؟
وتُعد نظرية «الخمسة الكبار» من أبرز النماذج المستخدمة في علم النفس لوصف الفروق الأساسية في الشخصية، وتشمل:
الانفتاح: الميل إلى الإبداع والفضول وخوض تجارب جديدة.
الضمير الحي: التنظيم وتحمل المسؤولية والانضباط.
الانبساط: النشاط الاجتماعي والطاقة والجرأة.
التوافق: التعاطف والود والتعاون مع الآخرين.
العصابية: الميل إلى القلق والتوتر والحساسية تجاه الضغوط.
الجينات لا تحدد الشخصية بمفردها
وأظهرت الدراسة أن المتغيرات الجينية التي يمكن قياسها قبل الولادة قد تفسر ما يصل إلى 16% من الاختلافات في بعض سمات الشخصية بين الأفراد.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتيجة لا تعني وجود «جين للشخصية» أو أن شخصية الإنسان تكون محددة سلفًا قبل ولادته. فكل متغير جيني منفرد له تأثير محدود للغاية، بينما تتضافر تأثيرات آلاف المتغيرات الجينية مع العوامل البيئية والتجارب الحياتية في تشكيل شخصية الإنسان وسلوكه.
وتمكن الباحثون من تحديد 1260 متغيرًا جينيًا مرتبطًا بسمات الشخصية، من بينها 824 متغيرًا لم تكن قد ارتبطت بهذه السمات بوضوح من قبل.
أكبر دراسة من نوعها
اعتمد الفريق البحثي على بيانات الحمض النووي واستبيانات الشخصية من 46 مجموعة، وبلغ عدد المشاركين الذين شملهم التحليل نحو 1.14 مليون شخص.
وللتحقق من أن النتائج لا تعكس ببساطة تأثير البيئة العائلية المشتركة، قارن الباحثون أيضًا بعض المشاركين بأقاربهم، في محاولة للفصل بين العوامل الوراثية والتأثيرات الناتجة عن نشأة الأشخاص في البيئات نفسها.
وأظهرت النتائج أن عددًا كبيرًا من المتغيرات الجينية يساهم بصورة جماعية في تشكيل سمات الشخصية، وقد يصل عدد المتغيرات المؤثرة في السمة الواحدة إلى نحو 16 ألف متغير جيني.
صلات بالصحة النفسية
ولم تدرس الأبحاث «الاعتلال النفسي» بشكل مباشر، خلافًا لما قد يوحي به عنوان الدراسة، لكنها كشفت عن روابط بين بعض السمات الشخصية والمخاطر الجينية المرتبطة بعدد من الاضطرابات النفسية.
وكانت المتغيرات المرتبطة بارتفاع العصابية من أكثر النتائج إثارة للاهتمام، إذ ارتبطت بزيادة المخاطر الجينية لعدد من الاضطرابات النفسية، خصوصًا الحالات المرتبطة باستبطان الضغوط، مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل.
كما ظهرت ارتباطات مع اضطرابات أخرى، من بينها الاضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، والتوحد، واضطراب الشخصية الحدية، والوسواس القهري.
وفي المقابل، ارتبط ارتفاع مستوى الضمير الحي بانخفاض المخاطر الجينية المرتبطة باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط والتوحد، بينما ظهر ارتباط بزيادة خطر الوسواس القهري، ما يعكس تعقيد العلاقة بين السمات الشخصية والعوامل الجينية والاضطرابات النفسية.
هل يمكن التنبؤ بسلوك الإنسان من جيناته؟
تشير النتائج إلى أن الجينات تلعب دورًا في الاختلافات بين الأشخاص، لكنها لا تقدم خريطة تحدد مسبقًا شخصية الفرد أو مستقبله النفسي.
وبحسب الباحثين، فإن تأثير آلاف المتغيرات الجينية يعمل بالتوازي مع البيئة والتربية والخبرات الشخصية والظروف الاجتماعية، ولذلك فإن اكتشاف ارتباط جيني بسمة معينة لا يعني أن الفرد سيطور بالضرورة سلوكًا أو اضطرابًا محددًا.
وقد تساعد هذه النتائج مستقبلًا الباحثين والأطباء على فهم التداخل المعقد بين الوراثة والشخصية والصحة النفسية، وربما تطوير أدوات أفضل لتقييم بعض المخاطر الصحية، لكن استخدامها للتنبؤ الفردي الدقيق لا يزال بعيدًا ويحتاج إلى مزيد من الأبحاث.
وتقدم الدراسة في النهاية صورة أكثر تعقيدًا من فكرة «الجينات التي تحدد شخصيتك»، إذ تشير إلى أن الشخصية البشرية ليست نتاج جين واحد، وإنما حصيلة تفاعل طويل ومعقد بين آلاف المتغيرات الجينية والبيئة التي يعيش فيها الإنسان.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
