باسل النجار - القاهرة - السبت 12 سبتمبر 2026 11:23 مساءً - دخل سباق تطوير الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من الجدل داخل واحدة من أكثر الصناعات تأثيرًا في العالم، بعدما اتفق اثنان من أبرز قادة شركات الذكاء الاصطناعي على ضرورة إبطاء وتيرة تطوير الأنظمة الأكثر قوة، في اعتراف علني بأن سرعة التقدم التقني قد بدأت تتجاوز قدرة الباحثين والجهات الرقابية على فهم المخاطر والسيطرة عليها.
وجاء الموقف بصورة خاصة من داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، المطورة لروبوت الدردشة "كلود"، الذي نشر مقالًا مطولًا دعا فيه شركات الذكاء الاصطناعي إلى "إبطاء" وتيرة تحسين نماذجها، مؤكدًا أن التقدم سيظل سريعًا حتى مع خفض السرعة، لكن منح الباحثين وقتًا إضافيًا قد يكون ضروريًا لتطوير ضمانات أكثر فعالية.
وبعد ساعات من دعوة أمودي، أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، تأييده للفكرة، مؤكدًا أن تحديد وتيرة التقدم أصبح موضوعًا رئيسيًا للنقاش داخل شركته خلال الأسابيع الأخيرة، وأن OpenAI ستتبنى إحدى إجراءات الحماية التي اقترحها أمودي.
ولا تأتي هذه التصريحات في فراغ، إذ تتزامن مع تزايد التحذيرات من باحثين في شركات كبرى مثل أنثروبيك وOpenAI وGoogle DeepMind، بينهم باحثون سابقون غادروا مواقعهم بعدما أثاروا مخاوف بشأن تأثير المنافسة الشديدة بين الشركات على قرارات السلامة.
أمودي: سرعة التطور تجاوزت قدرة الباحثين
يرى أمودي أن المشكلة الأساسية لم تعد تتمثل فقط في مدى قوة نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما في سرعة وصولها إلى مستويات جديدة من القدرة.
وكتب أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة أسرع من قدرة الباحثين على فهمها والتحكم فيها، محذرًا من أن استمرار تحسين النماذج بالسرعة الحالية قد يترك مساحة متزايدة بين ما تستطيع الأنظمة فعله وبين قدرة البشر على تقييم المخاطر الناتجة عن تلك القدرات.
وبحسب تصوره، فإن إبطاء التطوير لفترة محدودة لا يعني التخلي عن التقدم التكنولوجي، بل استخدام الوقت الإضافي لتطوير وسائل حماية تتناسب مع مستوى القدرات الجديدة.
وقدّر أمودي أن إبطاء وتيرة التطوير يمكن أن يمنح الباحثين عامًا أو عامين إضافيين، وهي فترة يعتقد أنها قد تكون حاسمة في ظل احتمال أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على المساعدة بصورة مباشرة في تطوير أنظمة أكثر تقدمًا منها.
لماذا تغيّر موقف أمودي؟
حدد الرئيس التنفيذي لأنثروبيك عاملين أساسيين قال إنهما أثرا في طريقة تفكيره بشأن مخاطر التسارع.
الأول هو التطور المتزايد لقدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها على المساهمة في بناء وتطوير أنظمة أكثر تقدمًا، وهو ما يمكن أن يخلق حلقة متسارعة يصبح فيها التطوير التقني أقل اعتمادًا على العمل البشري المباشر.
أما العامل الثاني فهو حادثة وقعت في يوليو، عندما تمكن وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلون يعملون بنموذج من OpenAI من اختراق أنظمة تابعة لشركة Hugging Face.
ولم تكن الأضرار الناتجة عن الحادث كبيرة، ولم يصب أحد بأذى، لكن أمودي رأى أن أهمية الواقعة لا تكمن في حجم الخسائر التي حدثت بالفعل، وإنما في ما يمكن أن يحدث إذا امتلكت أنظمة مستقبلية قدرات أكبر بكثير مع استمرار وجود نقاط ضعف مماثلة في ما يتعلق بالمواءمة والسيطرة.
ومن وجهة نظره، فإن نظامًا يمتلك قدرة أكبر على تنفيذ المهام بشكل مستقل يمكن أن يحول حادثة محدودة إلى أزمة واسعة النطاق إذا لم تكن هناك ضمانات كافية للسيطرة على تصرفاته.
ألتمان يؤيد "تحديد وتيرة التقدم"
موقف سام ألتمان يمثل تطورًا لافتًا في النقاش، خصوصًا أن OpenAI تعد واحدة من أبرز الشركات التي تقود سباق تطوير النماذج المتقدمة.
وقال ألتمان إنه يتفق مع أمودي على ضرورة تحديد وتيرة التقدم، مشيرًا إلى أن هذه المسألة كانت محل نقاش رئيسي داخل OpenAI خلال الأسابيع الأخيرة.
كما سبق لألتمان أن تحدث عن الحاجة إلى إبطاء بعض جوانب تطوير الذكاء الاصطناعي عندما تتطلب إجراءات السلامة ذلك، وقال في أغسطس إن OpenAI أوقفت مؤقتًا بعض برامج التدريب المتقدمة للتأكد من قدرتها على الوفاء بمعاييرها مع تحسن قدرات الأنظمة.
ويكشف ذلك عن مفارقة أساسية تواجه شركات الذكاء الاصطناعي: فهي مطالبة من جهة بتطوير نماذج أكثر قوة بسرعة للحفاظ على قدرتها التنافسية، لكنها مطالبة من جهة أخرى بالتأكد من أن هذه النماذج لا تتجاوز قدرتها على الاختبار والمراقبة ووضع الضمانات.
ما المقصود بإبطاء الذكاء الاصطناعي؟
لا يدعو أمودي إلى إيقاف أبحاث الذكاء الاصطناعي أو وقف إطلاق المنتجات الجديدة، وإنما يقترح ما يسميه "تحديد وتيرة التقدم".
وتقوم الفكرة على منح أنظمة الرقابة والسلامة مساحة زمنية أكبر لمواكبة التطور التقني، بدلًا من أن تظل إجراءات الحماية في موقع رد الفعل بعد ظهور قدرات جديدة.
ويقترح أمودي أن تبدأ أنثروبيك بدمج مُقيّمين مستقلين داخل الشركة، مع منحهم إمكانية الوصول إلى النماذج والأدوات الداخلية والباحثين، حتى يتمكنوا من اختبار الأنظمة وتقييم المخاطر بصورة أكثر استقلالًا.
ولا يتوقف المقترح عند حدود الشركات، إذ يدعو أمودي إلى تطبيق رقابة مماثلة على شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية الرائدة من خلال أطر تنظيمية اتحادية، وصولًا في مرحلة لاحقة إلى آليات للتنسيق والرقابة على المستوى الدولي.
مخاوف من سباق لا يستطيع أحد إيقافه
تأتي دعوة أمودي وألتمان وسط تحذيرات أكثر حدة من باحثين متخصصين في سلامة الذكاء الاصطناعي، بعضهم عمل داخل أكبر شركات التكنولوجيا قبل أن يغادرها.
وقال جاكوب كوكسون، الباحث في مجال السلامة الذي استقال هذا الأسبوع، إن العاملين داخل شركات الذكاء الاصطناعي يجدون أنفسهم عالقين في سباق تنافسي أوسع من قدرة أي فريق منفرد على تغييره.
ويخشى كوكسون من أن تكون المنافسة بين الشركات الخاصة قد خلقت ديناميكية تدفع الجميع إلى الاستمرار في التطوير حتى عندما تكون المخاطر غير مفهومة بالكامل.
ووصف النهج الحالي في تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق بأنه أشبه بـ"المقامرة بحياتنا"، محذرًا من أن الصناعة قد تتجه نحو نتائج خطيرة دون أن تدرك ذلك في الوقت المناسب.
تحذيرات من داخل أنثروبيك وجوجل ديب مايند
ولم تقتصر المخاوف على باحث واحد.فقد حذر جو بنتون، الذي كان يرأس فريق أبحاث السلامة في أنثروبيك قبل مغادرته، من أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي قد تنتقل من مرحلة متسارعة بالفعل إلى مرحلة "خارجة عن السيطرة".
أما جوش إنجلز، الباحث السابق في مجال السلامة في Google DeepMind، فقد استخدم تعبيرًا أكثر حدة، محذرًا من غياب جهة قادرة على التدخل إذا أصبحت التطورات أكبر من قدرة المؤسسات على السيطرة عليها.
وتعكس هذه التحذيرات قلقًا أوسع بشأن ما إذا كانت الشركات قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات المنافسة التجارية وبين المسؤولية المتعلقة بسلامة أنظمة قد تصبح أكثر استقلالًا وقدرة على تنفيذ المهام.
لماذا أصبحت مسألة "السرعة" أكثر أهمية الآن؟
الخوف الرئيسي لدى بعض الباحثين لا يتعلق بمجرد امتلاك الذكاء الاصطناعي قدرات أكبر، وإنما باحتمال أن تتسارع دورة التطوير نفسها.
فكلما أصبحت النماذج أفضل في البرمجة والبحث والتحليل والتصميم، يمكنها أن تساعد البشر في تطوير الجيل التالي من النماذج. وإذا استمرت هذه العملية بوتيرة متزايدة، فقد يصبح الوقت المتاح لاختبار الأنظمة الجديدة والتأكد من سلامتها أقصر.
وهنا تظهر المشكلة التي يحذر منها أمودي: قد لا تكون المخاطر في المستقبل نتيجة قرار متعمد من شركة أو باحث، وإنما نتيجة تراكم سريع لقدرات جديدة لم تحصل الصناعة على الوقت الكافي لفهمها واختبارها.
ومن هذا المنظور، فإن إبطاء التطوير لفترة محدودة قد يكون وسيلة لزيادة هامش الأمان، وليس محاولة لإيقاف التقدم.
بين الابتكار والرقابة
لكن تطبيق فكرة "إبطاء السباق" يواجه تحديات كبيرة. فشركات الذكاء الاصطناعي تعمل في سوق عالمي شديد التنافس، وأي شركة تتباطأ بصورة كبيرة قد تخشى أن يتفوق عليها منافسون آخرون لا يتخذون الخطوة نفسها.
كما أن الدعوة إلى رقابة اتحادية ودولية تطرح أسئلة حول كيفية تحديد المستوى المقبول من التطوير، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن ما يجب إبطاؤه وما يمكن الاستمرار فيه.
وتزداد صعوبة الأمر لأن الذكاء الاصطناعي لا يتطور داخل دولة واحدة أو شركة واحدة، فحتى إذا قررت مجموعة من الشركات الأمريكية إبطاء تطوير نماذجها، يمكن أن تستمر شركات أخرى في دول مختلفة في الاستثمار في قدرات مماثلة.
ولهذا يرى أمودي أن الإجراءات التنظيمية يجب أن تتطور في النهاية من مستوى الشركات إلى مستوى الدولة ثم إلى مستوى التنسيق الدولي.
القضية لم تعد تقنية فقط
يكشف الجدل الحالي أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي انتقل إلى مرحلة تتجاوز الأسئلة المتعلقة بدقة النماذج أو قدرتها على كتابة النصوص وإنشاء الصور والبرمجة.
القضية أصبحت مرتبطة أيضًا بمن يحدد حدود التطوير، ومن يراقب الشركات، وكيف يمكن التأكد من أن الأنظمة ذات القدرات المتزايدة تظل قابلة للفهم والسيطرة، وما إذا كانت إجراءات السلامة تتقدم بالسرعة نفسها التي تتقدم بها القدرات التقنية.
والمفارقة أن الدعوة إلى الإبطاء جاءت من داخل الصناعة نفسها، ومن شخصيات تقود شركات تقع في قلب سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
فأمودي لا يدعو إلى التخلي عن المنافسة أو وقف الابتكار، وألتمان لا يطرح وقف تطوير النماذج، لكن اتفاقهما على الحاجة إلى تحديد وتيرة التقدم يشير إلى أن المخاوف المتعلقة بالسرعة باتت جزءًا أساسيًا من النقاش داخل أكبر شركات الذكاء الاصطناعي.
عامان قد يغيران المعادلة
يرى أمودي أن الحصول على عام أو عامين إضافيين قد يمنح الباحثين فرصة ثمينة لتطوير اختبارات أكثر صرامة، وتحسين آليات الرقابة، ودراسة سلوك الأنظمة الأكثر قدرة قبل الانتقال إلى مستويات أعلى.
وتكمن أهمية هذه الفترة، بحسب طرحه، في أن الصناعة لا تحتاج فقط إلى نماذج أكثر ذكاءً، وإنما إلى معرفة ما إذا كان من الممكن الاعتماد عليها والتحكم فيها عندما تصبح أكثر استقلالية وقدرة على تنفيذ سلسلة طويلة من المهام.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على صناعة الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط: إلى أي مدى يمكننا تطوير هذه الأنظمة؟ بل أصبح أيضًا: هل نستطيع فهمها والسيطرة عليها بالسرعة نفسها التي نعمل بها على تطويرها؟
هذا السؤال يقف الآن في قلب الجدل المتصاعد داخل شركات الذكاء الاصطناعي، ويبدو أن الاتفاق العلني بين أمودي وألتمان على ضرورة تحديد وتيرة التقدم يمثل إحدى أبرز الإشارات حتى الآن إلى أن بعض قادة الصناعة بدأوا يرون أن السباق نحو أنظمة أكثر قوة يحتاج إلى فرامل، بالتوازي مع استمرار الابتكار.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
