باسل النجار - القاهرة - الاثنين 2 نوفمبر 2026 09:23 مساءً - كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن تحول كبير في العلاقة بين شركة أبل وموردي مكونات أجهزتها، بعدما بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي في تقليص النفوذ التفاوضي الذي تمتعت به الشركة الأمريكية لسنوات، وأتاحت لمصنعي رقائق الذاكرة والتخزين فرصًا جديدة لفرض أسعار وشروط أكثر صرامة.
وأوضح التقرير أن أبل اعتمدت طويلًا على قوتها الشرائية الضخمة لفرض أسعار منخفضة وشروط تعاقدية صارمة على الموردين، مستفيدة من مكانتها باعتبارها واحدة من أكبر المشترين عالميًا لمكونات الذاكرة، حتى وصلت بعض المفاوضات إلى تهديدات ومواجهات مباشرة.
ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير خلاف يعود إلى أواخر عام 2015 مع شركة «سانديسك» (SanDisk)، بعدما رفضت الأخيرة تلبية طلبات إضافية من أبل، بسبب وجود عملاء آخرين مستعدين لدفع أسعار أعلى، ليتحول الخلاف إلى مواجهة مع توني بليفينز، المسؤول السابق عن المشتريات في أبل، الذي هدد أحد ممثلي الشركة بأنه سيجعل رئيسها التنفيذي آنذاك، سانجاي ميهروترا، «يزحف على ركبتيه عائدًا إلى أبل».
أساليب ضغط صارمة
لم تكن واقعة سانديسك استثناءً، إذ كشف التقرير عن استخدام أبل مجموعة من الأساليب لتعزيز سيطرتها على موردي رقائق الذاكرة، وكان بليفينز، الذي غادر الشركة عام 2022، أحد أبرز المسؤولين عن هذه الاستراتيجية، حتى أطلق عليه البعض لقب «Blevinator» بسبب أسلوبه الحاد في التفاوض.
وكان بليفينز يعقد أحيانًا اجتماعات متتالية مع موردي المكونات، بما يتيح لممثلي الشركات المنافسة مقابلة بعضهم بعضًا، ويزيد الضغوط التنافسية بينهم لتقديم عروض أفضل لأبل.
ووصلت بعض المفاوضات إلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل، دون تخصيص فترات لتناول العشاء، ما دفع ممثلي الشركات الموردة إلى الاعتماد على ألواح الطاقة الغذائية لمواصلة الاجتماعات. كما استخدم فريق أبل سمعة بليفينز الصارمة للضغط على الموردين، والتهديد باستدعائه إذا لم يقبلوا الشروط المطروحة.
مراجعة الحسابات وفرض الأسعار
ومن أبرز أدوات الضغط التي استخدمتها أبل اشتراط حصولها على صفة «العميل الأكثر تفضيلًا» (Most Favored Customer)، بما يضمن عدم حصول أي مشترٍ آخر على أسعار أقل من تلك التي تحصل عليها الشركة.
كما احتفظت أبل بحق مراجعة دفاتر حسابات الموردين للتحقق من التزامهم بالأسعار المتفق عليها، وهو ما منحها قدرة أكبر على مراقبة تعاملاتهم التجارية وتفاصيل عمليات الإنتاج.
وأشار التقرير إلى أن أبل اكتشفت في وقت سابق بيع شركة «ميكرون» (Micron) رقائق ذاكرة لأحد العملاء بأسعار أقل من الأسعار المقدمة لها، ونجحت في الحصول على تسوية تحكيمية بلغت عشرات الملايين من الدولارات.
وبلغت عمليات التدقيق التي أجرتها أبل حدًا دفعها إلى التفاوض مع شركة «ديلويت» للحصول على خصم مقابل حجم المراجعات التي تكلفها بها.
كذلك استخدمت الشركة أسلوب طلب كميات كبيرة بأسعار منخفضة، قبل رفض استلام بعض الشحنات عندما تتراجع أسعار السوق، وهو ما كان يترك الموردين أمام مخزونات من الرقائق، بعضها صُنع خصيصًا لتلبية طلبات أبل، ويضطرهم إلى تقديم تخفيضات إضافية.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع التوسع الهائل في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ودخول شركات مايكروسوفت وأمازون وميتا وجوجل في منافسة قوية على شراء رقائق الذاكرة والتخزين.
ووفقًا لتقديرات مؤسسة «تك إنسايتس» (TechInsights) التي استند إليها تقرير الصحيفة، كانت أبل تشتري قبل نحو عامين كمية من ذاكرة الفلاش تعادل ضعف ما تشتريه شركات مايكروسوفت وأمازون وميتا وجوجل مجتمعة، لكن الوضع انعكس حاليًا، وأصبحت مشتريات هذه الشركات الأربع تعادل ضعف حصة أبل.
وأدى الطلب المتزايد من شركات الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع أسعار ذاكرة الفلاش بنحو خمسة أضعاف خلال عام، وفقًا للتقرير، ما عزز موقف الموردين ومنحهم فرصة لإبرام عقود توريد طويلة الأجل بأسعار أعلى مع شركات التكنولوجيا الكبرى.
وتشير تقديرات «تك إنسايتس» إلى أن فاتورة أبل لشراء ذاكرة الفلاش قد ترتفع إلى نحو 25 مليار دولار خلال عام 2026، مقارنة بنحو 6 مليارات دولار في عام 2025، رغم شراء كميات متقاربة تقريبًا.
ارتفاع التكاليف يضغط على الأرباح
ولا تقتصر تداعيات تغير موازين القوة على زيادة تكلفة المكونات، بل تمتد إلى أحد مصادر الأرباح المهمة لأبل، وهو بيع سعات التخزين الإضافية في هواتف آيفون وأجهزتها الأخرى.
ووفقًا لتحليل «وول ستريت جورنال»، ارتفعت تكلفة الذاكرة اللازمة لتوفير الترقية من سعة 256 جيجابايت إلى 512 جيجابايت في هاتف آيفون 18 برو إلى نحو 66 دولارًا، مقابل 15 دولارًا في الجيل السابق، بينما لا تزال أبل تبيع هذه الترقية للمستهلكين مقابل 200 دولار.
وبناءً على هذه التقديرات، تراجع هامش الربح الناتج عن هذه الترقية إلى نحو 134 دولارًا، مقارنة بـ185 دولارًا في هاتف آيفون 17 برو، وهو ما يعكس الضغوط التي يفرضها ارتفاع أسعار المكونات على أرباح الشركة.
وفي ردها على التقرير، قالت أبل إنها تتعاون مع العديد من مورديها منذ عقود، وإنها تقدر الشراكات التي تجمعها بهم، مؤكدة تطلعها إلى مواصلة هذا التعاون.
وتكشف هذه التطورات عن تحول في سوق مكونات التكنولوجيا، إذ لم تعد أبل تتمتع بالنفوذ السابق نفسه أمام الموردين، بعدما أوجدت طفرة الذكاء الاصطناعي طلبًا هائلًا على رقائق الذاكرة، ووفرت للمصنعين عملاء جددًا يمتلكون القدرة على دفع أسعار أعلى، ما يضع الشركة أمام تحدٍ متزايد للحفاظ على تكاليف إنتاج آيفون وهوامش أرباحها.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
