لا يمكن مقاربة ملف حضرموت بوصفه شأناً محلياً يمنياً فحسب، كما لا يمكن فصله عن معادلة الأمن القومي السعودي. فهذه المحافظة، التي تشكل قرابة ثلث مساحة اليمن، ليست مجرد رقعة جغرافية واسعة أو مخزون اقتصادي ضخم، بل تمثل عمقاً استراتيجياً مزدوجاً: لليمن كدولة، وللسعودية كقوة إقليمية تعتمد في أمنها على استقرار محيطها الجنوبي الشرقي.
حضرموت والسعودية.. عمق استراتيجي وحدود أمن قومي وشراكة تاريخية
تكمن خصوصية حضرموت في موقعها الجغرافي الفريد، حيث تمتد حدود طويلة ومفتوحة مع المملكة العربية السعودية عبر صحراء الربع الخالي، وهي حدود لا تحمل فقط بعداً سيادياً، بل تمثل خط تماس مباشر مع الأمن القومي السعودي. أي اختلال أمني في هذه المساحة الشاسعة لا يظل محصوراً داخل الجغرافيا اليمنية، بل يتحول سريعاً إلى تهديد عابر للحدود، بما يحمله من مخاطر التهريب، والجماعات المسلحة، والفوضى غير المنضبطة.
من هنا، تنظر الرياض إلى حضرموت باعتبارها منطقة توازن حساسة، وحزام أمان متقدم، وليس ساحة نفوذ أو مجال تمدد سياسي. فاستقرار حضرموت، وبقاء إدارتها ضمن مؤسسات الدولة اليمنية، يمثلان شرطاً أساسياً لحماية الحدود السعودية الجنوبية، وضمان عدم تحولها إلى ثغرة أمنية مفتوحة في واحدة من أكثر المناطق هشاشة جغرافياً وأمنياً.
علاقة وثيقة
العلاقة بين السعودية وحضرموت ليست وليدة الحرب أو تحولات ما بعد 2015، بل علاقة متجذرة في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد. فقد شكّل الحضارم عبر عقود طويلة جسراً إنسانياً وتجارياً بين البلدين، وأسهموا بدور محوري في الحركة التجارية والاقتصادية داخل المملكة، خصوصاً في المنطقة الشرقية والحجاز. هذه العلاقة لم تكن علاقة عمالة تقليدية، بل شراكة نوعية قوامها الثقة والاستقرار والاندماج الاجتماعي، وهو ما يفسر الحساسية السعودية تجاه أي اضطراب قد يهدد حضرموت ونسيجها الاجتماعي.
خلال اجتماعه مع قيادات اجتماعية قال محافظ حضرموت سالم الخنبشي، إن "حضرموت كانت وستظل ركيزة للاستقرار، وما يربطها بالمملكة العربية السعودية علاقة أخوية وتاريخية، تقوم على المصالح المشتركة وحماية الأمن في هذه المنطقة الحيوية."
من جانبها تشير قيادات من حلف قبائل حضرموت إلى أن علاقة حضرموت مع السعودية تاريخية ووثيقة وتعاون أمني مع القبائل على طول الحدود، مؤكدين أن أمن السعودية يعتبر جزءاً من أمن حضرموت، وأن القبائل يمكن أن تلعب دوراً في حماية الحدود وتأمين المناطق الحدودية.
وتاريخياً، تربط المحافظة علاقات قوية مع السعودية عبر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية بين المواطنين والأسر من الطرفين، وأثر الهجرة الحضرمية في تأسيس روابط ثقافية وعائلية تمتد إلى داخل المجتمع السعودي، وهو ما يعزز الأمن المشترك والتعاون الاستراتيجي على المدى الطويل.
خط دفاع متقدم
تمتد حضرموت على حدود طويلة مع السعودية تزيد عن 700 كم، وتمثل شرياناً أمنياً وجغرافياً استراتيجياً في مواجهة التهديدات عبر الحدود وحماية الأمن القومي السعودي.
التصعيد العسكري الذي شهدته حضرموت مؤخراً أعاد التأكيد على هذه الحقيقة. فالتدخل السعودي السريع عبر قنوات أمنية وعسكرية، والتنسيق مع الحكومة الشرعية والسلطة المحلية، لم يكن تدخلاً سياسياً بقدر ما كان استجابة أمنية استباقية لحماية الحدود ومنع انزلاق المحافظة نحو الفوضى. وقد عكست إجراءات التهدئة وإعادة انتشار القوات رسالة واضحة: الأولوية هي للاستقرار، ولمؤسسات الدولة، ولحماية حضرموت من أن تتحول إلى ساحة صراع نفوذ.
في المقابل، فإن أي محاولات لجر حضرموت إلى مشاريع انفصالية أو فرض سيطرة بقوة السلاح، تتناقض جوهرياً مع المصلحة السعودية، التي ترى في وحدة اليمن واستقرار حضرموت ضمانة مباشرة لأمنها القومي. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن تفكيك الدول لا ينتج كيانات مستقرة، بل يخلق فراغات أمنية مزمنة، سرعان ما تتحول إلى مصادر تهديد عابر للحدود.
في المحصلة، لا يمكن فصل حضرموت عن عمقها اليمني، كما لا يمكن عزلها عن محيطها السعودي. إنها نقطة التقاء بين الجغرافيا والأمن والاقتصاد، وأي عبث بوضعها يفتح الباب لمخاطر تتجاوز اليمن إلى الإقليم بأكمله. ولهذا تبقى المعادلة واضحة: حماية حضرموت هي حماية لوحدة اليمن، وهي في الوقت ذاته خط دفاع متقدم عن الأمن القومي السعودي، وشراكة تاريخية لا يمكن التضحية بها لصالح مشاريع مؤقتة أو صراعات نفوذ قصيرة النظر.
وهذا ما تؤكده التصريحات السعودية الأخيرة، ودعمها التهدئة والاستقرار في حضرموت، مع رفض سياسات الأحادية للمجلس الانتقالي والتحركات التي قد تزعزع أمن المحافظة والمنطقة.
في تصريحاته الأخيرة خلال زيارته إلى محافظة حضرموت، أكد رئيس الوفد السعودي اللواء محمد القحطاني، أن المملكة ترفض أن تُصبح حضرموت أرضاً للصراع، مجدداً مساعي الرياض نحو التهدئة ودعم الاستقرار في المحافظة وتأكيد أهمية خروج جميع القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي منها
