الاثنين 2 فبراير 2026 01:32 مساءً - في سجل رجالات الكويت الخالدين، يبرز اسم الدكتور عبدالرحمن العوضي كشخصية فذة لم تكتفِ بعشق وطنها، بل ترجمت هذا العشق إلى مسيرة حافلة بالإنجازات التي شكلت ملامح الدولة الحديثة. لم يكن العوضي مجرد طبيب أو سياسي، بل كان نموذجاً لرجل الدولة الذي شهد تحولات الكويت الكبرى، من بزوغ فجر الاستقلال إلى تحديات العصر الحديث، وساهم بفكره وجهده في بناء صروحها الصحية والسياسية والبيئية.
سياق تاريخي: نشأة في قلب تحولات الكويت
وُلد عبدالرحمن العوضي عام 1936، في فترة كانت فيها الكويت تخطو خطواتها الأولى نحو النهضة الشاملة. عاصر في شبابه مرحلة تدفق الثروة النفطية وبداية بناء المؤسسات الحديثة للدولة تحت قيادة حكامها الرواد. هذه الخلفية التاريخية جعلت من جيله جيلاً مؤسساً، حمل على عاتقه مسؤولية تحويل الرؤى إلى واقع ملموس. سفره للدراسة في أرقى الجامعات العالمية مثل الجامعة الأمريكية في بيروت وهارفارد وأبردين، لم يكن مجرد تحصيل علمي، بل كان استثماراً في العقل الكويتي ليعود ويقود مسيرة التنمية في أهم قطاعاتها.
العصر الذهبي لوزارة الصحة: رؤية تتجاوز العلاج
يجمع الكويتيون على أن فترة تولي الدكتور العوضي لوزارة الصحة (1975-1986) كانت “العصر الذهبي” للقطاع الصحي. لم تكن إنجازاته مجرد ردود فعل على احتياجات قائمة، بل كانت نتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فكرة إنشاء المراكز الصحية الأولية في كل منطقة سكنية لم تكن مجرد تسهيل لوصول المواطنين للخدمات، بل كانت تطبيقاً لفلسفة “الوقاية خير من العلاج”، وتخفيفاً للضغط على المستشفيات الكبرى. كما أن التوسع في بناء المستشفيات وتوزيعها جغرافياً ضمن خطة مدروسة، ضمن العدالة في تقديم الرعاية الصحية. ولعل الإنجاز الأبرز هو ريادة الكويت في مجال زراعة الأعضاء، حيث كانت أول عملية لزراعة الكلى في عهده نقطة تحول تاريخية، لم تضع الكويت على الخريطة الطبية الإقليمية فحسب، بل أعطت أملاً جديداً لآلاف المرضى.
رائد حماية البيئة في الخليج
قبل أن يصبح الاهتمام بالبيئة قضية عالمية ملحة، كان للدكتور العوضي بصيرة استشرفت المستقبل. ففي وقت كان التركيز منصباً على التنمية الصناعية والعمرانية، أدرك العوضي أن صحة الإنسان لا تكتمل دون بيئة سليمة. كان تأسيسه لقسم البيئة بوزارة الصحة عام 1968، وإنشاء محطات مراقبة تلوث الهواء، خطوات سبقت عصرها. لم يقتصر تأثيره على المستوى المحلي، بل امتد إقليمياً عبر تأسيسه وترؤسه للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (روبمي)، التي أصبحت المظلة الأساسية للتعاون الخليجي في مواجهة التحديات البيئية البحرية، مما يعكس تأثيره العميق على سياسات المنطقة.
رجل الدولة الحكيم: صوت العقل في الأزمات
إلى جانب مسيرته الوزارية، كان العوضي برلمانياً محنكاً ورجل دولة يُلجأ إليه في الأزمات. كما ورد في شهادات معاصريه، كان صوتاً للحكمة والاتزان في خضم الصراعات السياسية التي مرت بها الكويت. قدرته على تحليل القضايا الشائكة، من ملف البدون ومزدوجي الجنسية إلى النظام الانتخابي والإصلاح الاقتصادي، جعلت منه مرجعاً وطنياً. لم يكن يسعى لمصالح ضيقة، بل كان همه الأول هو الحفاظ على استقرار الكويت وتقدمها، مردداً مقولته الشهيرة “أشعل شمعة بدلاً من أن تلعن الظلام”، وهي فلسفة جسدها طوال حياته.
إرث لا يغيب
عندما رحل الدكتور عبدالرحمن العوضي في يوليو 2019، لم تفقد الكويت وزيراً أو طبيباً سابقاً، بل فقدت أحد أعمدتها وذاكرتها الحية. إرثه لا يزال ماثلاً في كل مستشفى ومركز صحي، وفي كل قانون لحماية البيئة، وفي ذاكرة كل من عمل معه. لقد عاش قصة حب أبدية مع وطنه، لم تكن مجرد مشاعر، بل كانت عملاً دؤوباً وإنجازاً خالداً سيظل يلهم الأجيال القادمة.
