الأحد 6 سبتمبر 2026 09:12 مساءً - كشفت دراسة علمية حديثة أجريت في المملكة العربية السعودية عن تباين كبير في آراء المجتمع النسائي حول فكرة إنشاء بنوك حليب الأمهات، حيث أبدت النسبة الأكبر من الأمهات المشاركات تحفظاً واضحاً تجاه هذه المبادرة الطبية. وأظهرت الدراسة أن نحو 62.3% من الأمهات السعوديات لا يؤيدن فكرة تأسيس هذه البنوك، في مقابل 37.7% فقط من المؤيدات. وقد برز مفهوم “قرابة الرضاعة” والأبعاد الشرعية والاجتماعية المرتبطة به كأهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا الموقف الرافض، متفوقاً على الوعي بالفوائد الصحية الجمة لحليب الأم الطبيعي.
الأبعاد الشرعية والاجتماعية وتأثيرها على بنوك حليب الأمهات
تعد مسألة “قرابة الرضاعة” من الركائز الأساسية في الفقه الإسلامي، حيث يترتب على الرضاعة أحكام شرعية تحرم الزواج وتثبت المحرمية كقرابة النسب تماماً. هذا البعد الديني والتنظيمي يفسر بشكل مباشر نتائج الدراسة التي نشرتها جامعة طيبة بالمدينة المنورة في مجلة “فرونتيرز في الصحة العامة” (Frontiers in Public Health)؛ إذ سجلت “قرابة الرضاعة” تأثيراً حاسماً في تحديد المواقف. ووفقاً للأرقام، فإن نسبة معارضة بنوك حليب الأمهات بلغت 91.2% بين الأمهات اللواتي يعتبرن هذه العملية غير جائزة شرعاً بسبب اختلاط الأنساب وقرابة الرضاعة، بينما ارتفعت نسبة التأييد لتصل إلى 86.7% بين من يرينها جائزة دون قيود شرعية معقدة.
تفاصيل الأرقام والخيارات البديلة للأمهات
شملت الدراسة الاستقصائية 835 أماً سعودية من مختلف مناطق المملكة، وتم جمع بياناتهن في الفترة ما بين أبريل ويوليو من عام 2024، بنسبة استجابة عالية بلغت 93.8%. وأظهرت النتائج تفضيل الأمهات للخيارات التقليدية؛ حيث عبرت 74.01% من المشاركات عن رفضهن القاطع لإعطاء أطفالهن الخدج (المبتسرين) حليباً من بنوك الحليب في حال عدم كفاية حليبهن الطبيعي، وفضّلت 79.16% منهن اللجوء إلى الحليب الصناعي كبديل آمن لتجنب شبهة قرابة الرضاعة. وعلى الجانب الآخر، رفضت 70.10% من الأمهات التبرع بفائض حليبهن لصالح هذه البنوك، في حين أبدت 29.90% فقط استعدادهن للمشاركة بالتبرع.
الوعي الصحي مقابل التحفظ الديني
المثير للاهتمام في هذه الدراسة هو أن الرفض لا ينبع من جهل بفوائد الرضاعة الطبيعية. بل على العكس تماماً، أظهرت الأمهات المشاركات مستويات معرفية مرتفعة جداً؛ حيث أكدت 94.13% منهن أن حليب الأم يمثل الغذاء الأفضل والأنسب للطفل مقارنة بالحليب الصناعي، وأشارت 95.22% إلى دور الحليب الطبيعي الجوهري في تعزيز مناعة الرضيع وحمايته من الأمراض والعدوى. ومع ذلك، فإن الاعتبارات الدينية والأخلاقية المرتبطة بقرابة الرضاعة تفوقت بوضوح على المستوى التعليمي والمعرفي للأمهات.
التوثيق الرقمي كحل لتبديد المخاوف
طرحت الدراسة مخرجاً عملياً يمكن أن يسهم في تغيير هذه المواقف مستقبلاً؛ حيث أبدى جزء كبير من الأمهات (نحو 39.52% من العينة) استعداداً تاماً للتبرع بحليبهن أو قبوله لأطفالهن الخدج في حال تم توثيق وتسجيل هوية المتبرعة والطفل المتلقي بدقة عبر منصة حكومية رسمية وآمنة تضمن تتبع الأنساب ومنع اختلاطها، وارتفعت نسبة التأييد في هذه الحالة إلى 71.5%. كما أكدت 83.6% من الأمهات إمكانية تغيير مواقفهن الإيجابية بعد الحصول على معلومات إضافية وتوضيحات شرعية وطبية كافية.
توصيات لبناء نموذج سعودي آمن
خلص الباحثون في دراستهم إلى ضرورة تضافر الجهود بين المؤسسات الصحية والجهات الشرعية وعلماء الدين لتطوير نموذج سعودي خاص ينظم عملية التبرع بالحليب. وأوصت الدراسة بالتعاون المشترك لإنشاء سجل رقمي وطني آمن يوثق بيانات المتبرعات والأطفال المستفيدين بدقة متناهية لتفادي أي لبس يتعلق بقرابة الرضاعة، مع تطبيق أعلى معايير الفحص الطبي لضمان سلامة الحليب وخلوه من الأمراض، إلى جانب تكثيف الحملات التوعوية المجتمعية لشرح الآليات التنظيمية والشرعية المقترحة. ونبهت الدراسة في الختام إلى محدودية تمثيل العينة لجميع الأمهات السعوديات، حيث تركزت 62.52% من المشاركات في المنطقة الغربية، وبلغت نسبة الجامعيات بينهن 57.96% وحاملات الدراسات العليا 30.90%.
أخبار متعلقة :