ياسر الجرجورة - الرياض - الجمعة 6 فبراير 2026 07:17 صباحاً - على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب – الذي خُتمت فعالياته يوم الثلاثاء الماضي – كانت هناك ندوات وأمسيات أعادت للمعرض عنفوان الزخم الثقافي المصري، من خلال محاور وعناوين الندوات والشخصيات الأدبية والفنية والسياسية التي شاركت فيها، والتي شهدت حضوراً عربياً لافتاً من الشعراء والأدباء والباحثين.
من بين هذه الأمسيات والليالي الرائعة، الليلة الثقافية المصرية الإماراتية في بيت السحيمي بالقاهرة الفاطمية، والتي استمرت حوالي 3 ساعات، تضمنت ندوة شارك فيها الدكتور عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، والدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور خالد أبو الليل رئيس هيئة الكتاب المصرية، وأدارتها الدكتورة منى بو نعامة مدير إدارة النشر في هيئة التراث، حول «النشر المؤسسي المتخصص.. الواقع والآفاق»، حيث سعى المتحدثون إلى تشخيص أزمة التوزيع وتحديات التلقي النوعي في بيئة تراثية عاكسة لعمق الروابط الثقافية المشتركة.
تطرق النقاش إلى تحديات الهوية في العصر الرقمي، وحماية التراث من الحداثة المتسارعة. وأشار الدكتور أحمد زايد إلى أن التراث ليس مجرد عملية جمع، بل هو محافظة على الوجود بالهوية، وعمل مستمر على إعادة إنتاجه وأنسنته، وأن النشر في العصر الرقمي – لكي يتمكن من منافسة العوالم الرقمية المتنوعة – عليه أن يعتني بمعايير النشر الحديثة، وأن القدرة الحقيقية تكمن في الإبداع والتجديد والانفكاك من خلال "العقل المنفتح" القادر على التأويل وفهم المجاز وفك الألغاز وفهم المعنى، مؤكداً أن هذا العقل هو القادر وحده على صناعة الحضارة، بينما الذاكرة التي تكتفي بالتكرار وحفظ الكتب لا تكون مفيدة بالقدر المطلوب.
ورأى الدكتور عبد العزيز المسلم أن مفهومه للنشر المؤسسي يرتكز على كونه الأداة التي تعين الباحث في المقام الأول، مشيراً إلى أن الرؤية التي ينطلق منها المعهد تقوم على النشر للباحث ومكافأته والمساهمة في انتشاره وانتشار الخبير على مستوى عالٍ، وذلك بخلاف ما يحدث في كثير من دور النشر التي تُجبر الكاتب أو المعهد على الدفع مقابل النشر. وحذر من مشكلة «المحاباة في النشر»، موضحاً أنها من أكبر المشكلات الحالية، وكشف عن واقعة طُلب منه فيها تقييم كتاب لشخصية معروفة ولم يُجِزْه، واصفاً إياه بأنه غير لائق ولا يصلح للنشر لأنه كان توليفاً لا تأليفاً.
إن ما أثاره الدكتور المسلم هو أزمة وكارثة يجب مواجهتها؛ لأن الاستسهال والضحك على عقول الناس باتا سمة تهدد صناعة النشر والمحتوى، خاصة مع التطور التكنولوجي وما يسمى بعصر "الذكاء الاصطناعي". وهو ما حذر منه أيضاً الدكتور خالد أبو الليل واعتبره "ناقوس خطر" يهدد وجود المؤلف الحقيقي والكتاب الورقي أمام المؤلف الوهمي الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي. وحذر من الانجرار خلف التكنولوجيا بنفس الطريقة التي استقبلنا بها وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى وسائل تفتيت اجتماعي أضعفت الروابط الإنسانية، مؤكداً أن الخطر هذه المرة وجودي، ويفرض علينا التمسك بأصولنا ومخزوننا الثقافي الذي يحمي هويتنا الثقافية.
أعقب الندوة الجادة احتفاليةٌ شعرية وغنائية بديعة كشفت عن الإبداع الشعري للدكتور عبد العزيز المسلم باللهجة المحلية الإماراتية واللهجة المصرية، حيث ألقى قصيدتين في حب مصر غناهما المطرب الإماراتي محمد اليافعي بصوت وألحان موسيقية مصرية رائعة تفاعل معها الحضور من الجانبين، ثم ألقت أيضاً الشاعرة الإماراتية ميرة القاسم قصائد باللهجة المصرية عبرت فيها عن حبها لمصر وحواريها وأزقتها ومعالمها.
تمازجت الفنون في البلدين وتلاقت، حيث أعقب الشعر والموسيقى تقديمُ فقرات فنية واستعراضية للتراث المصري، ومنها الرقصات النوبية والموسيقى الشعبية، والعزف على الآلات الموسيقية الشعبية، ورقص التنورة التراثية التي نالت إعجاب الحضور الإماراتي والمصري.
وقد سعدتُ شخصياً بلقاء الأصدقاء القدامى والأساتذة من الإمارات، منهم الدكتور محمد المر رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، والإعلامي الكبير فرحان المرزوقي ممثلاً عن الأرشيف والمكتبة الوطنية، والدكتورة سمر سعيد عميد معهد الفنون الشعبية التابع لأكاديمية الفنون، والدكتورة ولاء محمود وكيل معهد الفنون الشعبية، والدكتور محمد حسن عبد الحافظ أستاذ الأدب الشعبي بمعهد الفنون الشعبية.
إن الفن والثقافة عموماً هما خير وسيلة للتقريب بين الشعوب والحفاظ على الوعي الجمعي للأمة من المخاطر والتحديات بفضل الفعل الإنساني للفن والثقافة.
