باسل النجار - القاهرة - السبت 31 يناير 2026 12:13 مساءً - وجهت سوق الأسهم رسالة حاسمة وقاسية لشركات التكنولوجيا في 29 يناير، مفادها أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي لا يكافأ ما لم يترجم إلى عوائد واضحة وقابلة للقياس، وتجسد هذا الدرس بوضوح في التباين الحاد بين أداء سهمي مايكروسوفت وميتا في اليوم ذاته
على الرغم من تجاوز مايكروسوفت (MSFT) لتوقعات الأرباح، خسرت الشركة نحو 357 مليار دولار من قيمتها السوقية. وفي المقابل، أعلنت ميتا (META) عن نيتها مضاعفة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي ليقترب من 135 مليار دولار، ما انعكس إيجابًا على السهم الذي ارتفع بنحو 10%. وبينما تتنافس الشركتان على الريادة في سوق الذكاء الاصطناعي وتنفقان مبالغ غير مسبوقة، اختار السوق معاقبة إحداهما ومكافأة الأخرى، في إشارة واضحة إلى تحوّل جوهري في معايير التقييم الاستثماري مع دخول عام 2026
لم يكن تباطؤ نمو منصة Azure ناتجًا عن نقص في الرقائق أو القدرة الحوسبية، بل عن خيار استراتيجي متعمد.فخلال مكالمة الأرباح، أوضحت المديرة المالية إيمي هود أن الشركة كان بإمكانها تحقيق نمو يتجاوز 40% لو خصصت كامل وحدات معالجة الرسومات الجديدة لعملاء Azure، إلا أنها فضّلت توجيه جزء كبير من هذه الموارد إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي الداخلية، مثل Microsoft 365 Copilot.
هذا القرار أعاد رسم ملامح قصة مايكروسوفت الاستثمارية. فالشركة لا تعاني من قيود تشغيلية، بل تقدم البحث والتطوير على تحقيق إيرادات فورية من أعمالها الأكثر ربحية ورغم منطقية هذا التوجه على المدى الطويل، إلا أنه بعث برسالة مقلقة للمستثمرين مفادها أن الإدارة تُراهن على مبادرات لم تثبت قدرتها بعد على توليد عوائد، على حساب طلب قائم ومربح من العملاء. وجاء رد فعل السوق سريعًا، إذ لا يميل المستثمرون إلى مكافأة الشركات التي تُقيّد نمو وحداتها القوية لتمويل رهانات مستقبلية غير واضحة المعالم
في المقابل، تبنت ميتا نهجا أكثر وضوحا وواقعية، قائما على الشفافية وربط الاستثمار بالعائد المباشر فقد أوضحت الشركة خلال مكالمة الأرباح كيف ينعكس إنفاقها على الذكاء الاصطناعي مباشرة على تحسين كفاءة الإعلانات وزيادة الإيرادات
وتظهر الأرقام قوة هذا النهج، إذ تدير منصة Advantage+ المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر من 60 مليار دولار من الإنفاق الإعلاني السنوي، مع انخفاض تكلفة جذب العملاء المحتملين بنسبة 14% مقارنة بالأساليب التقليدية. كما ارتفع متوسط سعر الإعلان بنسبة 6% في الربع الأخير، مدفوعًا بتحسينات الاستهداف، في حين بات 60% من المحتوى المعروض على فيسبوك وإنستجرام يُختار عبر توصيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما عزز التفاعل وزاد استعداد المعلنين للدفع
هذا الأداء لا يستند إلى وعود مستقبلية، بل إلى نتائج ملموسة وفورية وكل دولار تستثمره ميتا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ينعكس مباشرة على تحسين منتجاتها الإعلانية، وهو ما يظهر بوضوح في نتائجها المالية. وقد وجدت وول ستريت هذه الرواية أكثر إقناعًا من رهان مايكروسوفت على اختراقات مستقبلية لم تتبلور بعد
تكشف نتائج الشركتين عن صراع خفي على مورد نادر: وحدات معالجة الرسومات المتقدمة. فهذه الموارد المحدودة يجب توزيعها بين تدريب النماذج، وخدمة عملاء المؤسسات، وتشغيل تطبيقات المستهلكين. اختارت مايكروسوفت توجيهها نحو تطوير نماذجها الداخلية، ما حدّ من نمو Azure على المدى القريب، بينما ركزت ميتا على تعزيز أعمالها الإعلانية القائمة، محوّلة ندرة الموارد إلى قوة تسعيرية تدعم هوامش الربح
ثمة عامل آخر أغفله كثير من المستثمرين، يتمثل في تركيز الإيرادات. فاعتماد مايكروسوفت الكبير على OpenAI، التي تمثل نسبة معتبرة من إيراداتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يخلق نقطة ضعف هيكلية، خصوصًا مع توجه OpenAI إلى تنويع مزودي البنية التحتية السحابية. في المقابل، تستند ميتا إلى قاعدة إيرادات إعلانية واسعة وموزعة على ملايين الشركات، ما يمنحها مرونة أعلى في مواجهة التقلبات
تعكس هذه المفارقة تحول السوق من مرحلة الرهان على الإمكانات إلى مرحلة المطالبة بالإثبات. وباتت استثمارات الذكاء الاصطناعي تُقيَّم وفق ثلاثة معايير رئيسية أولها وضوح مسار الربحية قبل الطموح التقني، ثم أولويات الإدارة كما تكشفها قرارات تخصيص الموارد، وتنوع قاعدة العملاء كعامل حماية في أوقات عدم اليقين
لا يتعلق الأمر بمقارنة مباشرة بين مايكروسوفت وميتا بقدر ما يعكس دخول السوق مرحلة جديدة في دورة الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الوعود والإنفاق الضخم كافية لدعم التقييمات. فالمستثمرون اليوم يطالبون بعوائد ملموسة خلال فصول، لا سنوات
ويؤكد صعود ميتا أن تحسين الأعمال القائمة باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون أقل طموحًا من بناء منصات مستقبلية جديدة، لكنه أكثر إقناعًا في سوق بات يفضل التنفيذ القابل للقياس على الطموح غير المثبت. وفي عام 2026، بات الدرس واضحًا: العائد الفوري يتقدم على الرهان طويل الأجل، والإثبات يتفوق على الوعد
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
