باسل النجار - القاهرة - الأحد 23 أغسطس 2026 05:13 مساءً - كشفت دراسات حديثة أن مطالبة الشباب بتقليص استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى 30 دقيقة يوميًا لا تؤدي بالضرورة إلى تحسن صحتهم النفسية، مشيرة إلى أن معظم المشاركين لم يتمكنوا من الالتزام بالحد الزمني، بينما لم يظهر الذين نجحوا في تقليل استخدامهم تحسنًا ملحوظًا مقارنة بمن واصلوا استخدام المنصات بصورة طبيعية.
وتعيد النتائج، الواردة في دراسة من المقرر نشرها قريبًا في مجلة «العلوم النفسية السريرية»، طرح تساؤلات بشأن جدوى اعتماد حد زمني موحد لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لتحسين الصحة النفسية، خاصة في ظل صعوبة التزام الشباب بهذه الحدود في حياتهم اليومية.
إعادة اختبار دراسة سابقة
قالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، أندريا هوارد، عالمة النفس التنموي في جامعة كارلتون، إن مطالبة الشباب الذين لا يمتلكون دافعًا قويًا لتغيير عاداتهم بتقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا تعني بالضرورة قدرتهم على الالتزام بذلك، كما أنها لا تضمن تحسن صحتهم النفسية بمرور الوقت.
وجاءت الدراسة في محاولة لإعادة اختبار نتائج بحث بارز أُجري عام 2018 على طلاب في جامعة بنسلفانيا، حيث وُزع المشاركون بين مجموعة واصلت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بصورة طبيعية، وأخرى طُلب منها تقليص استخدام فيسبوك وسناب شات وإنستغرام إلى 10 دقائق يوميًا لكل منصة.
وأظهرت الدراسة السابقة انخفاضًا في الشعور بالوحدة وأعراض الاكتئاب لدى المشاركين الذين بدأوا الدراسة بمستويات مرتفعة من الاكتئاب، لكنها لم تجد فروقًا واضحة في معظم المؤشرات الأخرى للصحة النفسية.
وأرادت هوارد وزميلاتها معرفة ما إذا كانت هذه النتائج ستتكرر بعد سنوات، في وقت أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للشباب.
644 شابًا تحت الاختبار
شملت الدراسات الثلاث الأولى 644 مستخدمًا لأجهزة «آيفون» تقل أعمارهم عن 30 عامًا، من بينهم طلاب وغير طلاب.
وقدم المشاركون بيانات حول الوقت الذي يقضونه على أجهزتهم، إلى جانب تقييمات أسبوعية لمستويات الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة والرضا عن الحياة وغيرها من المؤشرات النفسية.
وُزع المشاركون بين مجموعتين، واصلت الأولى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالمعتاد، بينما طُلب من الثانية تقليص الاستخدام لمدة ثلاثة أسابيع، وفي معظم الحالات إلى 30 دقيقة يوميًا.
محاولات متعددة لتقليل الاستخدام
لم يقتصر الباحثون على تحديد سقف زمني للاستخدام، وإنما اختبروا أساليب أخرى لتقليل التأثير المحتمل لوسائل التواصل الاجتماعي، من بينها مطالبة المشاركين بالتفاعل عبر الإنترنت مع أشخاص يعرفونهم في الحياة الواقعية فقط، وتقليص استخدام التطبيقات التي يرون أنها تؤثر بشكل كبير في صحتهم النفسية.
كما بحث الباحثون فيما إذا كانت النتائج تختلف بين الأشخاص الذين يستخدمون هويات مجهولة على الإنترنت وأولئك الذين يظهرون بهويات واضحة.
لكن أياً من هذه الأساليب لم يؤد إلى تحسن ملموس في الصحة النفسية مقارنة بالمجموعة التي واصلت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بصورة طبيعية.
الالتزام بالحد الزمني كان التحدي الأكبر
كان الالتزام بالحد الزمني أبرز العقبات التي واجهت الباحثين، إذ كان المشاركون يقضون نحو ثلاث ساعات يوميًا في المتوسط على وسائل التواصل الاجتماعي عند بداية الدراسة.
ومن بين 346 مشاركًا في مجموعات تقليل الاستخدام ممن قدموا بيانات لاحقة، نجح 10% فقط في خفض الاستخدام إلى أقل من 30 دقيقة يوميًا خلال أسبوع واحد من الدراسة، بينما نجح أقل من 5% في الالتزام بهذا الحد لمدة أسبوعين على الأقل.
وفي دراسة رابعة شملت 229 مشاركًا، حاول الباحثون زيادة فاعلية التدخل من خلال رفع الحد إلى ساعة واحدة يوميًا، مع إرسال تذكيرات يومية للمشاركين.
وأدى ذلك إلى انخفاض نسبي في وقت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم يكن كافيًا لإحداث فرق واضح مقارنة بالمجموعة الضابطة. ولم ينجح أكثر من نصف المشاركين في الالتزام بحد الساعة في أي يوم من أيام الدراسة الـ21، بينما التزم شخصان فقط بالحد طوال فترة التدخل.
ولم تظهر كذلك فروق بين المجموعتين في أي من مؤشرات الصحة النفسية التي قاسها الباحثون.
النتائج لا تعني أن تقليل الاستخدام غير مفيد
ورغم ذلك، لا تعني النتائج أن تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لن يكون مفيدًا لأي شخص، إذ إن العدد المحدود من المشاركين الذين تمكنوا من الالتزام بخفض الاستخدام يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان تقليل الوقت بشكل كبير ومنتظم يمكن أن يؤدي إلى نتائج مختلفة.
كما أن الدراسة شملت مستخدمي أجهزة «آيفون» فقط، وكانت غالبية المشاركين من النساء البيضاوات، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع فئات الشباب.
وترى هوارد أن صعوبة الالتزام بالحدود الزمنية تحمل دلالة مهمة، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تؤدي وظيفة واحدة، بل أصبحت وسيلة للترفيه والتعبير عن الذات ومتابعة الأخبار والتواصل مع الأصدقاء.
لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع
وبحسب هوارد، قد لا يكون هناك حل واحد يناسب جميع المستخدمين، إذ يمكن للشخص الذي يشعر بالضيق بسبب تجاربه على وسائل التواصل الاجتماعي أو لديه رغبة حقيقية في تغيير عاداته أن يستفيد أكثر من خطة شخصية، أو تقليل الاستخدام تدريجيًا، أو الحصول على دعم مستمر.
وفي المقابل، يمكن لمن يرغب في تقليل الوقت الذي يقضيه على الهاتف أن يتعامل مع الأمر باعتباره جزءًا من تحسين الذات وإدارة الوقت، حتى في غياب ضمان بأن يؤدي ذلك بمفرده إلى تحسن الصحة النفسية.
ماذا يعني ذلك للآباء؟
لا تعني نتائج الدراسة أن وضع حدود لاستخدام الأجهزة غير مفيد، خاصة أن البحث ركز على الشباب ولم يشمل الأطفال أو المراهقين الأصغر سنًا.
لكن هوارد تنصح الآباء بالنظر إلى المشكلة التي يحاولون حلها بدلًا من التركيز فقط على عدد الدقائق التي يقضيها أبناؤهم أمام الشاشات.
فالشاب الذي يعاني الاكتئاب أو القلق، أو يتعرض للتنمر والأذى عبر الإنترنت، قد يحتاج إلى دعم أوسع من مجرد تقليص وقت استخدام الهاتف.
وتخلص هوارد إلى أن مطالبة الأبناء بوضع هواتفهم جانبًا ليست كافية وحدها، مؤكدة أن تغيير عادات استخدام التكنولوجيا يحتاج إلى دعم وتوجيه مستمرين، يساعدان الشباب على إيجاد طريقة لاستخدام وسائل التواصل والأجهزة بما يتناسب مع احتياجاتهم وحياتهم اليومية.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
