باسل النجار - القاهرة - الأربعاء 1 يوليو 2026 07:23 مساءً - في أمسية احتفت بالتراث والهوية، وتحولت فيها خشبة المسرح إلى نافذة على التاريخ والثقافة، نظمت جمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير”، قبل أيام، مهرجانها الصيفي لفرقة “سارداراباد” للرقص، وذلك على مسرح قاعة “تشايكوفسكي” بالمركز الثقافي الروسي بالقاهرة، برعاية المطران أشود مناتساكانيان مطران الأرمن الأورثوذكس بمصر.
وجاءت الأمسية لتؤكد مجددًا المكانة التي يحتلها الفن في حياة الجاليات الأرمنية حول العالم، ليس بوصفه وسيلة للترفيه فحسب، بل باعتباره أحد أهم أدوات الحفاظ على الهوية الوطنية، وصون الذاكرة الجماعية، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها، إلى جانب دوره في تعزيز الحوار الثقافي مع الشعوب الأخرى.
و منذ اللحظات الأولى، أدرك الحضور أنهم أمام عرض يتجاوز المفهوم التقليدي للحفلات الفنية. فقد نجحت فرقة “سارداراباد” في تقديم عمل متكامل جمع بين الرقص والموسيقى والصورة، ليأخذ الجمهور في رحلة عبر التاريخ الأرمني، مستعرضًا جانبًا من حضارة تمتد لآلاف السنين، وتواصل الحفاظ على خصوصيتها الثقافية رغم تحديات التاريخ والاغتراب.
وترافقت اللوحات الراقصة مع عرض صور لمعالم أرمينيا التاريخية، من الكنائس العريقة والقلاع القديمة إلى المناظر الطبيعية الخلابة، لتتحول خلفية المسرح إلى لوحة بصرية تعكس غنى التراث الأرمني وعمقه الحضاري.
افتتاح الحفل يؤكد رسالة المهرجان
استهلت سيلا تشيلينجريان الأمسية بكلمة باللغة الأرمنية رحبت فيها بالحضور والضيوف، وقدمت نبذة عن تاريخ فرقة “سارداراباد”، مؤكدة أن المهرجان الصيفي يهدف إلى توسيع آفاق التواصل الثقافي من خلال لغة الفن العالمية، وتعزيز التعاون مع مختلف الثقافات والتعريف بها.
كما ألقت لوريدانا مكرتشيان كلمة افتتاحية باللغة الإنجليزية، رحبت خلالها بالحضور، مؤكدة أن الموسيقى والرقص يشكلان لغة مشتركة قادرة على التقريب بين الشعوب مهما اختلفت لغاتها وخلفياتها.
خمس عشرة لوحة ترسم ملامح الهوية الأرمنية
قدمت فرقة “سارداراباد” خمس عشرة لوحة فنية تنوعت بين الرقصات الشعبية الأرمنية، والعروض المسرحية التعبيرية، والباليه، في برنامج عكس ثراء التراث الفني الأرمني وتنوع مدارسه.
وشهدت الأمسية مشاركة واسعة للأطفال والشباب الذين ارتدوا الأزياء الفلكلورية التقليدية، في مشهد جسد حرص الارمن في مصر على نقل تراثها الثقافي إلى الأجيال الجديدة، ليس من خلال التعليم النظري فحسب، بل عبر الممارسة الفنية التي تجعل الهوية جزءًا من الحياة اليومية.
وتُعد فرق الرقص الفلكلوري الأرمنية في المهجر مدارس ثقافية واجتماعية بامتياز، إذ يتعلم فيها الأطفال اللغة والموسيقى والعادات والتقاليد، إلى جانب قيم الانتماء والعمل الجماعي، وهو ما يمنح هذه الفرق دورًا يتجاوز النشاط الفني ليصبح جزءًا من عملية الحفاظ على الهوية الوطنية.
ومن أبرز محطات الأمسية العرض المسرحي التعبيري The Cross Stealer الذي جمع بين الأداء الدرامي والرقص المعاصر، مقدمًا لوحة فنية جسدت قدرة الفن على رواية القصص التاريخية والإنسانية دون كلمات.
كما استحوذت رقصة Kochari على اهتمام الجمهور، وهي إحدى أشهر الرقصات الشعبية الأرمنية وأكثرها ارتباطًا بالهوية الوطنية. وتتميز بحركاتها الجماعية وإيقاعها القوي الذي يرمز إلى التضامن والقوة والصمود، ولا تزال تؤدى في مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية في أرمينيا والمهجر. وقد أدرجت هذه الرقصة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، تأكيدًا لقيمتها الثقافية والإنسانية.
حوار ثقافي عبر الفنون
ولم تقتصر الأمسية على التراث الأرمني، بل شاركت جوقة وفرقة الرقص التابعة للمركز الثقافي الروسي بعروض غنائية واستعراضية، كان من أبرزها رقصة White Swan المستوحاة من فن الباليه الكلاسيكي، إلى جانب عدد من الأغاني الروسية، في مشهد عكس روح الانفتاح والتعاون الثقافي بين المؤسسات الثقافية والجاليات المختلفة في مصر.
وأضفى هذا التنوع على البرنامج بعدًا إنسانيًا ورسالة واضحة مفادها أن الفنون، رغم اختلاف مدارسها، تمتلك القدرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز قيم الاحترام المتبادل.
جهود جماعية وراء النجاح
يعكس نجاح المهرجان العمل الدؤوب الذي بذله فريق كبير من المتطوعين والمنظمين. وفي هذا السياق، حظيت مدربة الفرقة مريم كارابيتيان بإشادة واسعة تقديرًا لاحترافيتها وجهودها المستمرة في إعداد الراقصين والارتقاء بالمستوى الفني للفرقة.
كما كان للسيدة كارولين مظلوميان، المديرة العامة ومنسقة الفعاليات، دور محوري في إدارة وتنظيم المهرجان، إلى جانب فريق الشباب المسؤول عن منصات التواصل الاجتماعي، الذين نجحوا في تقديم حملة إعلامية إبداعية أسهمت في إبراز الحدث والتفاعل معه، فضلاً عن التصميم الفني المتميز للملصق الرسمي للمهرجان.
ولم تغب بصمة السيدات اللواتي أشرفن على تصميم وتنفيذ الأزياء التقليدية، والتي أضفت على العروض أصالة بصرية عكست ثراء الفلكلور الأرمني ودقة تفاصيله.
كلمات تؤكد أهمية الثقافة
وفي ختام الأمسية، أعرب رئيس جمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير”، شانت جابيان، عن تقديره لأعضاء فرقة “سارداراباد”، مؤكدًا أن ما يقدمونه لا يقتصر على عروض فنية، بل يمثل رسالة وطنية وثقافية تسهم في الحفاظ على التراث الأرمني وتعزيز روح الانتماء لدى الأجيال الجديدة.
من جانبه، أشاد صاحب السيادة المطران أشود مناتساكانيان بالجهود التي تبذلها الفرقة والجمعية في خدمة الحياة الثقافية الأرمنية في مصر، مؤكدًا أن الحفاظ على المؤسسات الثقافية والتعليمية في المهجر يمثل امتدادًا للدور الذي اضطلع به الأجداد منذ وصولهم إلى مصر، عندما أسسوا المدارس والكنائس والجمعيات والمراكز الثقافية للحفاظ على هويتهم الوطنية.
كما وجه سيادته تحية خاصة إلى السيدة شاكيه هوفاجيميان، مشيدًا برؤيتها في تأسيس فرقة “سارداراباد”، التي أصبحت على مدى سنوات إحدى أبرز المؤسسات الفنية والثقافية للجالية الأرمنية في مصر، وأسهمت في تخريج أجيال متعاقبة من الراقصين الذين حملوا التراث الأرمني إلى خشبات المسارح داخل مصر وخارجها.
وفي ختام الاحتفال، جرى تكريم أعضاء الفرقة والقائمين على تنظيم المهرجان، إلى جانب تكريم مدير المركز الثقافي الروسي، وسط تصفيق حار من الحضور الذين احتفوا بالأداء المتميز وروح التعاون التي ميزت الأمسية.
الثقافة… ذاكرة الشعوب الحية
لم تكن الأمسية مجرد عرض فني، بل كانت رسالة ثقافية وإنسانية أكدت أن الشعوب تحافظ على ذاكرتها الجماعية من خلال الفن بقدر ما تحفظها في الكتب والوثائق. وفي حالة الأرمن، الذين حملوا تراثهم معهم إلى بلدان الانتشار، أصبحت الموسيقى والرقص والأغنية الشعبية أدوات حية لصون الهوية وتعزيز الانتماء ونقل التاريخ إلى الأجيال الجديدة.
وفي مصر، التي احتضنت الجالية الأرمنية منذ أكثر من قرن، تواصل المؤسسات الثقافية الأرمنية أداء هذا الدور، محافظةً على تراثها الوطني، وفي الوقت نفسه منفتحة على المجتمع المصري ومؤمنة بأن الثقافة، في جوهرها، لغة عالمية قادرة على التقريب بين الشعوب وترسيخ قيم الحوار والاحترام المتبادل.
وقد جاءت هذه الأمسية لتجسد هذه الرسالة بامتياز، مؤكدة أن الفنون ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي جسر يربط الماضي بالحاضر، والوطن بالمهجر، ويجعل الهوية أكثر حضورًا واستمرارًا في وجدان الأجيال القادمة.
للمزيد تابع
الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
