ياسر الجرجورة - الرياض - السبت 31 يناير 2026 02:01 مساءً - في ليلة شعرية استثنائية، استعاد بيت الشعر العربي بمركز إبداع الست وسيلة، روح الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، في مئوية ميلاده، عبر أمسية جمعت أصواتا شعرية من مختلف أنحاء العالم العربي، جاءت لا لتستدعي ذكرى شاعر رحل، بل لتؤكد أن السياب ما زال حاضرا في الوجدان، وأن قصيدته لم تغادر زمنها، بل ما زالت قادرة على مساءلة الواقع والإنسان.
الأمسية التي أقيمت بإدارة الشاعر سامح محجوب، وأدار فقراتها الشاعر محمد هشام، تحولت إلى مساحة اعتراف شعري، تداخلت فيها التجارب، وتجاورت الأصوات، وتنوعت الرؤى، بينما ظل السياب هو القلب الخفي الذي تنتظم حوله القصائد.
وشارك في الأمسية عدد كبير من الشعراء، من بينهم الشاعر الإماراتي محمد البريكي مدير بيت الشعر بالشارقة، والشاعر العراقي عارف الساعدي المستشار الثقافي لرئيس الوزراء العراقي، والشاعر السعودي محمد الدميني، والشاعر العراقي باسم فرات، والشاعر الفلسطيني عامر بدران، والشاعر السعودي علي الحازمي، والشاعرة الإماراتية مريم الزرعوني، والشاعر السعودي طلال الطويرقي، والشاعر المغربي مخلص الصغير.
عارف الساعدي يفتتح الأمسية بقصيدته "قتيل الخضر"
افتتح الشاعر العراقي عارف الساعدي الأمسية بقصيدته "قتيل الخضر"، إذ عاد إلى الطفولة الجريحة، إلى الغلام الذي لم تنقذه الأسطورة من مصيره، قصيدة سردية تكشف كيف يتحول الشقي الصغير إلى مرآة لعالم لا يعرف الرحمة، حيث البراءة تكسر باسم الحكمة، والضحك يجاور العنف دون تفسير، فقرأ
قتيل الخضر
إلى الغلام الذي قتله الخضر
شقياً خرجتُ من الأرض
أكسر ما كان يصنعه والدي
وألوذ كثيراً بأطراف أمِي
عباءتُها حرسٌ من يديه
وشفاعتها رسلٌ طيبون إليه
هكذا كنتُ أخرج في الفجر
أوقظ البقرات بلكز العصا
وألملم بيض دجاجة جيراننا
ثم أهديه للرمل
بعدها
أنتف ما ظلَ من ريشها في المكان
الصغار الشقيِون في الحي مثلي
نغير مجرى الجداول
نكسر زيتونةً في الطريق
نهش الكلاب على امرأةٍ تملأ الماء في قربةٍ
ثم أضحك حين يقولون
هذا الفتى سيد الأشقياء
وجاء الشاعر الإماراتي محمد عبدالله البريكي بقصيدة حملت ملامح التأمل الإنساني والاشتباك مع الذاكرة والمكان، بعنون "حصيرٌ نابتٌ في الرمل"، حيث بدت القصيدة وكأنها حوار بين الأرض والتاريخ فقال:
حصيرٌ نابتٌ في الرمل
ولَسْتُ نَبِيَّ هذا الشِّعْرِ لكنْ
وَهَبْتُ مَدامِعي لِلْكائناتِ
وصادَقْتُ المَضاربَ غَيْرَ أنّي
وَقَفْتُ مُبَجِّلًا للنّاطِحاتِ
ولَمْ أرِثِ السُّيوفَ.. وَرِثْتُ حَقْلاً
تَسَتَّرَ عَنْ جَحيمِ القاذِفاتِ
تُحارِبُ وَرْدَةٌ في الحَقْلِ عَنّي
وتَقْتَحِمُ البَوارجَ سُنبُلاتي
ولي هَرَمٌ رَسَمْتُ عَلَيْهِ خَوْفي
لِيَبْلُغَ رأسَ قِمَّتِهِ ثَباتي
يُذَكِّرُني بِمَنْ كانوا جِبالاً
وتاريخًا تَسَلْسلَ لِلرُّواةِ
فَراعِنةً إذا ذُكِروا فَمِصْرٌ
أُضيءُ بِها نُجومي السَّاهِراتِ
ومِصْرُ حَديقةُ العُشّاقِ تَزْهو
على الدُّنْيا بِحُضْنِ الأُمَّهاتِ
قصيدة الشاعرة الإماراتية مريم الزرعوني "ضوء وشمع في البحر"
وجاءت قصيدة الشاعرة الإماراتية مريم الزرعوني "ضوء وشمع في البحر" كهمس عميق في ليل كثيف، نص يتكئ على الصورة والرمز، ويحول البحر إلى اختبار، والشمعة إلى تحدّ، حيث تمشي الذات في العتمة، لا لتنتصر، بل لتواصل السير، فيما القبر لا يزال يفتح ذراعيه،فقرأت:
ضوءٌ وشمع في البحر.
لا شيء يستفزّ التّروّي، مثل العبَثِ بالعَظَمَة،
حفَرنا الماء بيدينا المُثقلتيْن،
فاهان يشقّقهما المِلح،
قلبانِ، أربع أعينٍ، وفكرة الكنف.
نهيلُ البحرَ على العصيّ،
لعلّ الطَّيّعَ ينمو،
وتضاءُ شمعَتانا القصيرتان، فيما تبَقّى من الليل.
هالتانِ موغلتان في الضآلةِ، تَسْعَيانِ في المُعتِمِ مِنّا.
بينما صرامةُ النهارِ، تسحبُ الدّربَ تحتِ أقدامنا،
ولأجلِ عَينينِ، تُنافِح عينان أخريان.
للقبر ذراعان.
لا أدري إلى متى!
لكنّ القبر لا زال يفتح ذراعيه.
في "إحالة قيس ليلى"، قدم الشاعر المغربي مخلص الصغير قراءة ساخرة وموجعة لأسطورة العشق العربي،
قصيدة تحاكم الجنون، وتبرئ الحب، فيقول:
إحالة قيس ليلى
على مستشفى المجانين
قالَ: مَنْ أَنْتَ رَجَاءً؟
قالَ: لَيْلَى
وَمَتَى هِمْتَ جُنوناً؟
قالَ: لَيْلَا
مَا الَّذِي تَفْعَلُهُ في هذه الدُّنيا؟
عَدَا الأشواقِ لا أُتقنُ شُغلَا
هل تُعاني
مِنْ صَدى جُرْحٍ قَدِيمٍ؟
هَلْ تَجَرَّعْتَ نَبِيذاً
أَوْ سِتلِاَّ؟
لَمْ أُعَاقِرْ في الحياةِ أيَّ كأسٍ
خمرةُ الحبِّ لَدَى العُشّاق أَحْلَى
إِنْ أَضَعْتُ القلبَ في وادي المِيَاهِ
ما يهمُ النَاسَ إِنْ ضّيَّعْتُ عَقْلَا
وجاءت قصيدة "يتيم" للشاعر العراقي باسم فرات كسيرة حياة مكتوبة بالوجع، نص يلاحق طفلاً باع الخبز، ونام جائعًا، وكبر وهو يحمل صليب اليتم، ليصير الحلم نفسه عبئًا،فقرأ:
يتيم
كانَ طِفلًا
يَبيعُ الـخُبزَ وَيَنامُ جائعًا
أَطعَمَهُ اليُتمُ صَفَعاتِ الـجَميعِ
كلَّ شَيءٍ رَأى
حين فتَـَحَ عَينيهِ على قَبرٍ
قيلَ لَهُ: هنا يَرقُدُ أَبوكَ
لم يُـخبـِروه أَنَّ بَراءتَهُ تَـرقُدُ أَيضًا
وأَنَّ يُتْمَهُ صَليبٌ يُطارِدُهُ
لهيبُ التَّـنانيرِ مَلاعِبُ طُفولَـتِهِ
وموجةُ يَـفاعَتِهِ أَكفانٌ
يَبيعُها عَلى مَوتى غُرَباءَ
ماءُ النارِ انْسَكَبَ على دَهشَـتِهِ
فاستعانَ بالأَساطيرِ لِيَـمحُوَ دموعَهُ
الحياةُ التي تَصفَعُهُ يوميًّا
كان يُـقابِلُها بِـجُيوبٍ فارِغَةٍ
ودمعةٍ وأَحلامٍ لا حَصْرَ لها
وفي قصيدته "وحدك، دون غيرك"، يأخذنا الشاعر السعودي علي الحازمي إلى النوم بوصفه عالمًا موازيًا، لا ضجيج فيه ولا تفسير، قصيدة تتأمل الغياب، والحب، والذاكرة، حيث يكفي التلويح من السرير كي يعود الأحبة، وحيث يصبح الحلم طريقًا سريًا إلى الذات، فقرأ:
وَحْدَكَ ، دُونَ غَيرِكَ"
في النومِ ، لا أَحدٌ يراكَ
ولو صَرَخْتَ بملءِ صَوتِكَ في بَراري الحُلْمِ
لا أَثَرٌ يَدُلُّ على خُطاكَ
ولو مَشيتَ على حريرِ الرغبةِ الأُولى
لأَبعدِ قُبْلَةٍ،
الأَرضُ ليسَ بِوُسْعِها أَنْ تَسْتَدِلَّ
على التماعِكَ في تسابيحِ الغياب!
في النومِ، تُغْلِقُ بابَ جَفْنِكَ
في وجوهٍ لم تَعُدْ تَقْوَى على تصديقِ
معنى الحُبِّ في أَحداقِها،
بيديكَ تَفتحُ كُوَّةً للأَمسِ تَنْفُذُ
مِن خِلالِ مُحيطِها لربيعِ مَنْ غَمَروا
فؤادَك بالحياةِ وبالغناءِ وبالأَمل
في النومِ، يكفي أَنْ تُلَوِّحَ مِن سريرِكَ
للذين تُحِبُّهم كي يهبطوا
مِن غَيمِ ماضيهِم ومِن نِسيانِهم،
تَمضي لِسِرْبِ سنينكَ الأُولى
طَليقَ الروحِ، لا أُفقٌ ضَبابيٌ يُعِيقُكَ
في الطريقِ إلى أَقاصِيكَ البعيدة
وقصيدة "كان أبي يريد رجلًا في البيت" للشاعر الفلسطيني عامر بدران جاءت اعترافًا صافيًا عن حياة تُستهلك في تلبية أحلام الآخرين، فقال:
كان أبي يريد رجلاً في البيت
فانشغلتُ عشرين عاماً بتحقيق حلمه
ونسيتُ حلمي.
ثم صارت أمي تريد طفلاً في البيت
فانشغلتُ خمسة أعوامٍ لتحقيق حلمها
ونسيت حلمي.
ثم حلم الطفل بلعبة، فكنتُ لعبته.
وحلم بحصّالة، فكنتُ حصّالته
وحلم بظهرٍ يسنده
فاشتغلتُ ظهراً عشرين عاماً أخرى
ونسيتُ حلمي.
يا حلمي الوحيد،
الآن تفرّغتُ لك
الآن أحاول أن أتذكّرك.
في نصه الشعري، أعاد الشاعر السعودي طلال الطويرقي بناء لحظة بيضاء، سبقت الصورة وقبل أن ينهار الزمن، فقصيدنه تستعيد البراءة الأولى، حيث الضحكة أعلى صدقًا، واللعب سابق على الذاكرة، قبل أن يضغط صيّاد اللقطة زره، وتتحول الدهشة إلى أرشيف.
لم تتلوَّنْ بعدُ ملامحُنَا في الصُّورة
كنَّا أبيضَ من لحظةِ عشقٍ عذريٍّ
كنَّا ننسابُ كنهرٍ يتسلسلُ في أرضِ براءتِنا البِكرِ
ونجريَ مملوئينَ بصوتٍ أعلى صِدقًا في الضِّحكةِ
نلعبُ قبلَ الصُّورةِ
حتى يضغطَ صيَّادُ اللَّقطةِ إصبعَهُ
فتفيضُ بدهشتِنا الصُّورةُ حينَ يَخرُّ الزَّمنُ صَرِيعًا

جانب من الحضور بأمسية بيت الشعر العربي

جانب من أمسية بيت الشعر العربي

خلال ليلة بدر شاكر السياب ببيت الشعر العربي

الشاعر عارف السعدي

الشاعر محمد عبد الله البريكي

الشاعر محمد هشام

الشاعرة مريم الزرعوني
