الاثنين 7 سبتمبر 2026 02:11 صباحاً - كشفت دراسة سعودية حديثة أجرتها جامعة طيبة بالمدينة المنورة ونُشرت في مجلة “فرونتيرز في الصحة العامة” المحكمة، عن مواقف متباينة للأمهات السعوديات تجاه فكرة تأسيس بنوك الحليب في المملكة. وأظهرت الدراسة أن نسبة 62.3% من الأمهات المشاركات لا يؤيدن إنشاء هذه البنوك، في مقابل 37.7% من المؤيدات. وقد برزت مسألة “قرابة الرضاعة” كأهم عامل حاسم ومؤثر في تحديد هذا الموقف السلبي لدى الشريحة الأكبر من المشاركات، نظراً للأبعاد الشرعية والاجتماعية المرتبطة بها في المجتمع السعودي.
الخلفية التاريخية والشرعية لمفهوم بنوك الحليب
تعتبر فكرة بنوك الحليب من الحلول الطبية الحديثة التي ظهرت عالمياً لمساعدة الأطفال الخدج وحديثي الولادة الذين يعانون من نقص التغذية الطبيعية أو غياب أمهاتهم. تاريخياً، نشأت أولى هذه البنوك في أوروبا في أوائل القرن العشرين، وتوسعت دولياً لإنقاذ حياة ملايين الأطفال. ومع ذلك، يواجه تطبيق هذه الفكرة في العالم الإسلامي تحديات عقائدية وفقهية فريدة؛ ففي الشريعة الإسلامية، يترتب على الرضاعة أحكام شرعية تؤدي إلى تحريم الزواج (قرابة الرضاعة)، وهو ما يجعل خلط الحليب من مصادر مجهولة دون توثيق دقيق أمراً يثير قلقاً بالغاً لدى الأسر التي تخشى اختلاط الأنساب.
تفاصيل الدراسة ومواقف الأمهات من التبرع والاستخدام
شملت الدراسة التي أُجريت بين شهري أبريل ويوليو من عام 2024، ونُشرت نتائجها مؤخراً، عينة مكونة من 835 أماً سعودية من مختلف مناطق المملكة، بنسبة استجابة بلغت 93.8%. وأظهرت النتائج تفصيلاً دقيقاً لتوجهات الأمهات؛ حيث عبرت 74.01% من المشاركات عن رفضهن القاطع لإعطاء أطفالهن الخدج حليباً من البنوك المخصصة للحليب في حال عدم كفاية حليبهن الطبيعي، مفضلات الحليب الصناعي بنسبة 79.16%. وعلى الجانب الآخر، رفضت 70.10% من الأمهات فكرة التبرع بفائض حليبهن لصالح هذه البنوك، بينما أبدت 29.90% فقط استعداداً للتبرع.
وعلى الرغم من هذا الرفض، أظهرت الدراسة وعياً صحياً مرتفعاً جداً لدى الأمهات بفوائد الرضاعة الطبيعية؛ إذ أكدت 94.13% منهن أن حليب الأم هو الغذاء الأفضل مقارنة بالبدائل الصناعية، وأشارت 95.22% إلى دوره الفعال في تعزيز مناعة الطفل وحمايته من الأمراض والعدوى.
تأثير قرابة الرضاعة والحلول الرقمية المقترحة
أكدت الدراسة أن العامل الديني والشرعي المرتبط بـ “قرابة الرضاعة” يتفوق بشكل واضح على المستويات التعليمية أو المعرفية للأمهات في اتخاذ القرار. فقد بلغت نسبة عدم التأييد لـ بنوك الحليب حوالي 91.2% بين الأمهات اللواتي يعتبرن هذه البنوك غير جائزة شرعاً بسبب قرابة الرضاعة، في حين ارتفعت نسبة التأييد إلى 86.7% بين من يرينها جائزة دون قيود.
ومع ذلك، كشفت الدراسة عن نقطة تحول جوهرية؛ حيث أبدى 39.52% من الأمهات (حوالي 330 أماً) استعدادهن لتغيير موقفهن وقبول الفكرة في حال وجود نظام توثيق رسمي وصارم. وارتفعت نسبة التأييد إلى 71.5% في حال تسجيل المتبرعة والطفل المتلقي عبر منصة حكومية رقمية تضمن تتبع الأنساب ومنع اختلاطها، كما أكدت 83.6% من الأمهات إمكانية تغيير آرائهن بعد الحصول على معلومات وتوضيحات إضافية حول آلية العمل الآمنة.
الأهمية الاستراتيجية والتوصيات المستقبلية
تكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على ضرورة الموازنة بين الاحتياجات الطبية للأطفال الخدج في المستشفيات وبين القيم الثقافية والشرعية للمجتمع. وتوصي الدراسة بضرورة التعاون الوثيق بين المؤسسات الصحية والجهات الشرعية وعلماء الدين لتطوير “نموذج سعودي” خاص يراعي هذه الخصوصية. ويشمل هذا النموذج إنشاء سجل رقمي وطني آمن يوثق هوية المتبرعات والأطفال المستفيدين بدقة، مع فرض فحوصات طبية صارمة لضمان سلامة الحليب، وتكثيف الحملات التوعوية لتوضيح الضوابط الشرعية والطبية التي تحمي حقوق الجميع وتلبي تطلعات المجتمع.
